اخبار منوعة
الإصلاح من الأعلى حين تتحول المهنة إلى موضوع قرار لا شريك في صياغته

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
في كل مرة تعلن فيها الدولة عن ورش إصلاحي جديد، يتجدد النقاش حول المنهج قبل المضمون: هل الإصلاح يُبنى بتشاور حقيقي مع المعنيين، أم يُصاغ في دوائر ضيقة ثم يُقدَّم جاهزًا للتنفيذ؟ سؤال يطفو بقوة كلما تعلق الأمر بمهن ذات حساسية مؤسساتية ومجتمعية، مثل مهنة الدفاع ومهنة الصحافة، حيث يصبح إشراك المهنيين ليس ترفًا تشاوريًا، بل شرطًا لضمان النجاعة والمشروعية معًا.
أولاً: مفهوم “الإصلاح من الأعلى”
الإصلاح من الأعلى هو ذلك الذي تنطلق مبادرته من السلطة التنفيذية أو مراكز القرار المركزي، وتُحدد خطوطه العريضة وأحكامه التفصيلية دون إشراك فعلي وعميق للفاعلين المهنيين في صياغته، قد تُعقد لقاءات تشاورية، وقد تُستقبل مذكرات، لكن القرار النهائي يظل محكومًا بمنطق الإرادة السياسية أكثر من منطق التوافق المهني.
هذا النموذج ليس جديدًا في التجارب السياسية، وغالبًا ما يُبرَّر بالحاجة إلى السرعة، أو بتجاوز ما يُعتبر “مصالح فئوية ضيقة”، أو بضرورة الحسم في قضايا طال انتظارها. غير أن السؤال الجوهري يظل: هل يمكن إصلاح مهنة دون أهلها؟
ثانيًا: مهنة الدفاع بين منطق التنظيم ومنطق الاستقلال
في السياق المغربي، برز النقاش بقوة مع مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة رقم 66.23 الذي تقدمت به وزارة العدل المغربية، وما رافقه من توتر بين الوزارة وهيئات المحامين.
جوهر الإشكال لم يكن فقط في بعض المقتضيات التقنية، بل في الإحساس بأن فلسفة المشروع تميل إلى تعزيز الرقابة الإدارية وتقليص هامش التدبير الذاتي للمهنة، وهو ما اعتبره جزء من الجسم المهني مساسًا باستقلال الدفاع، الذي يُعد أحد أعمدة المحاكمة العادلة.
الدفاع ليس مجرد نشاط مهني، بل ركيزة من ركائز العدالة، وعندما يشعر المحامون أن الإصلاح يُفرض عليهم بدل أن يُبنى معهم، يتحول النقاش من نقاش حول تحسين النص إلى معركة حول حماية الكرامة المهنية والاختصاص الذاتي.
ثالثًا: الصحافة بين التقنين وضمان الحرية
الأمر ذاته ينسحب على قطاع الصحافة، حيث تلعب المجلس الوطني للصحافة دورًا تنظيميًا وتأديبيًا، في ظل تداخل اختصاصات مع جهات حكومية وتنفيذية.
الصحافة، باعتبارها سلطة رابعة، تحتاج إلى تنظيم يضمن المهنية والأخلاقيات، لكن أي إصلاح يُنظر إليه من زاوية واحدة — زاوية الضبط بدل التطوير — يُثير مخاوف من أن يتحول التنظيم إلى أداة تضييق بدل أن يكون آلية ترشيد.
الإشكال هنا لا يتعلق برفض الإصلاح في ذاته، بل برفض أن يُختزل الإصلاح في نصوص قانونية تُعد في مكاتب مغلقة دون نقاش عمومي حقيقي، ودون إشراك الصحافيين كفاعلين لا كموضوعين للتقنين.
رابعًا: لماذا تُفضل الدولة أحيانًا الإصلاح العمودي؟
هناك عدة تفسيرات محتملة:
1-هاجس التحكم وضمان الانسجام المؤسسي: السلطة قد ترى أن ترك المبادرة كاملة للمهنيين قد يؤدي إلى إصلاحات لا تنسجم مع رؤيتها العامة.
2-تخوف من تضارب المصالح: إذ تعتبر أن بعض الهيئات المهنية قد تدافع عن امتيازاتها أكثر من دفاعها عن المصلحة العامة.
3-منطق السرعة والنجاعة: في ظل ضغوط سياسية أو اجتماعية تدفع نحو الحسم بدل التفاوض الطويل.
غير أن هذه المبررات، مهما بدت عقلانية، تصطدم بحقيقة أن الإصلاح الذي لا ينبع من اقتناع الفاعلين يظل هشًا في التطبيق.
خامسًا: كلفة إقصاء المهنيين
إقصاء أو تهميش المهنيين لا يؤدي فقط إلى احتجاجات أو مقاطعات، بل يُنتج ثلاث نتائج أخطر:
-فقدان الثقة المؤسسية: حيث تتحول العلاقة بين الدولة والمهنيين إلى علاقة شد وجذب.
-ضعف التنفيذ: لأن النصوص التي لا تجد حاضنة مهنية تتحول إلى مجرد قوانين معلقة.
-تسييس الملفات المهنية: فيتحول النقاش التقني إلى صراع رمزي حول النفوذ والشرعية.
سادسًا: بين الإصلاح التشاركي والإصلاح الفوقي أيهما أنجع؟
التجارب المقارنة تُظهر أن الإصلاحات المستدامة هي تلك التي تقوم على تعاقد مهني واضح، حيث تتقاطع رؤية الدولة مع تطلعات المهنة في إطار شراكة لا وصاية.
فالدولة تملك شرعية التشريع، لكن المهنيين يملكون شرعية الخبرة، وعندما تنفصل الشرعيتان، يفقد الإصلاح توازنه.
الإصلاح ليس نصًا بل ثقافة
الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المواد القانونية، بل بدرجة الانخراط المجتمعي والمهني في صياغته، مهنة الدفاع والصحافة ليستا قطاعين إداريين عاديين، بل فضاءان يرتبطان بالحقوق والحريات، وأي مساس بطريقة تدبيرهما ينعكس مباشرة على جودة الديمقراطية.
إن الإصلاح من الأعلى قد يكون أسرع، لكنه ليس دائمًا أعمق، أما الإصلاح التشاركي، فرغم بطئه، فهو الأقدر على إنتاج توافق يحمي النص من السقوط عند أول اختبار.
مخرجات هذا المقال ، الحقيقة المثلا أن لا أحد يرفض الإصلاح ، لكن الجميع يرفض أن يكون مجرد متلقٍ لقرارات تمس صميم هويته المهنية دون أن يكون شريكًا في صياغتها والتوافق بشأنها تحقيقا للحق و السمو بالنص القانوني إلى مرتبة التنزيل السوي .



