الجزائر والحرب الرقمية ضد المغرب: حساب مزيف يكشف ملامح استراتيجية ممنهجة لاستهداف الرباط

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
أعاد كشف منصة “إكس” عن حساب جزائري ينتحل صفة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، النقاش حول طبيعة الحرب الرقمية التي تستهدف المغرب بشكل متنامٍ خلال السنوات الأخيرة، فالحادثة وإن بدت في ظاهرها مجرد محاولة احتيالية إلكترونية، إلا أنها تحمل في عمقها رسائل سياسية واضحة، وتعكس نهجاً منظماً تتبناه الدولة الجزائرية سواء بشكل مباشر أو عبر أجهزة تعمل في كنفها لتشويه صورة المغرب واستهداف مؤسساته ومسؤوليه على الساحة الرقمية.
فالحساب المزيف، الذي أُنشئ في دجنبر 2023 تحت اسم “@nasserbourita_”، لم يكن مجرد صفحة عابرة بين ملايين الحسابات الوهمية، فقد كان ينشر تصريحات مفبركة تُنسب للوزير، هدفها تضليل الرأي العام وإحداث بلبلة في النقاش العمومي، غير أن الجديد والخطير في هذه الواقعة هو تأكيد منصة “إكس” أن الحساب يدار من داخل التراب الجزائري، ما يعطي للواقعة بعداً جيوسياسياً يتجاوز السلوك الفردي والدوافع الشخصية إلى عمل موجه ومنظم.
هذا المعطى يعزز قناعة المتابعين بأن الجزائر لم تعد تكتفي بالخطاب العدائي التقليدي تجاه المغرب، بل انتقلت إلى مستوى أكثر خطورة يتمثل في استخدام الوسائط الرقمية كأدوات ضغط وإرباك وصناعة الفوضى المعلوماتية.
هذه الحادثة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في سجل الهجمات الرقمية الجزائرية ضد المغرب، فقد تم، في أبريل 2025، اختراق قاعدة بيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهي العملية التي تبنتها مجموعات هاكرز جزائرية، كما ظهرت حملات موازية تهدف إلى تشويه شخصيات مغربية بارزة، وبث شائعات ممنهجة حول الوضع الداخلي للمملكة، واستهداف مؤسسات حساسة بغرض التأثير على المواقف الدبلوماسية للمغرب، خصوصاً في ملف الصحراء المغربية.
هذه المعطيات تضعنا أمام نمط متكرر لهوى دولة كاملة تُسخّر منصات رقمية وموارد سيبرانية لإضعاف خصمها الإقليمي، خارج كل الأعراف الدبلوماسية والمواثيق الدولية التي تنظم التدخلات الخارجية في الفضاء السيبراني.
يرى خبراء الأمن السيبراني أن هذا السلوك يتجاوز مفهوم “الحرب الإلكترونية” إلى “حرب معلوماتية” تستهدف تشكيل وعي الرأي العام، وتوجيه اتجاهات النقاش، وإرباك المؤسسات ، فالاختراقات، وإن كانت تقنية في ظاهرها، إلا أن خلفياتها سياسية بامتياز.
فالحرب الرقمية أصبحت اليوم امتداداً للنزاع الإقليمي الذي تغذيه الجزائر منذ عقود عبر دعمها للمليشيات الانفصالية، ومع تطور التكنولوجيا، صار الفضاء الرقمي ساحة جديدة لتصفية الحسابات ومحاولة التأثير في الشرعية وا المؤسسات.
ما قامت به الجزائر كما يصفه المراقبون ليس مجرد “نشاط عدائي” بل “تصرف مارق” يتعارض مع قواعد احترام سيادة الدول الرقمية، ويشكل خرقاً واضحاً للمواثيق المتعلقة بالأمن السيبراني ومنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول، فالتحركات التي تستهدف شخصيات رسمية مغربية وتنتحل صفاتهم تمثل اعتداءً صريحاً على النظام العام الرقمي للمملكة، ومحاولة مقصودة لتقويض مصداقيتها على الصعيد الدولي.
استخدام الجزائر للحرب الرقمية كأداة للتأثير السياسي والإعلامي لا يهدد المغرب وحده، بل يهدد استقرار المنطقة برمتها، فالفضاء الرقمي أضحى اليوم جزءاً من بنية الأمن الوطني، وأي اختراق ممنهج أو تضليل منظم قد يُحدث آثاراً عابرة للحدود.
ويؤكد الخبراء أن ما تقوم به الجزائر ينبئ بتحول خطير في طبيعة الصراع الإقليمي، ويستدعي من المغرب تعزيز سياساته الوطنية في الأمن السيبراني، وتطوير قدراته الدفاعية والهجومية، بالتوازي مع العمل على كشف تلك الحملات وإحباطها قبل أن تتحول إلى أداة زعزعة أمنية أو سياسية.
مخرجات هذا المقال ، تكشف واقعة الحساب المزيف المنسوب لبوريطة عن مرحلة جديدة من محاولات الجزائر استهداف المغرب رقمياً، فالأمر يتجاوز العبث الإلكتروني إلى سلوك عدائي منظّم، يروم المساس بسمعة مؤسسات الدولة المغربية وتشويه مواقفها الدبلوماسية، وفي ظل هذا السياق الإقليمي المتوتر، يبقى تعزيز الأمن السيبراني ضرورة استراتيجية لحماية الوطن من حملات التضليل والهجمات التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار وبث الفوضى المعلوماتية.



