اخبار منوعة

الحاقد شهادة غير مقصودة على النجاح

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

مقولة «إذا لم تجد لك حاقدًا فاعلم أنك فاشل» تبدو للوهلة الأولى صادمة، بل مستفزة أخلاقيًا، لكنها تحمل في عمقها قراءة اجتماعية ونفسية دقيقة لطبيعة النجاح في المجتمعات الإنسانية، فهي لا تمجّد الحقد، ولا تدعو إليه، بل تستخدمه كـ مؤشر كاشف على الحضور والتأثير والاختلاف.

ففي عالمٍ مثالي، يُفترض أن يكون النجاح مدعاة للإجماع والتقدير، لكن الواقع الاجتماعي يقول غير ذلك، فحيثما وُجد التميز، وُجدت المقارنة، وحيثما حضرت المقارنة، تولّد الحسد، ومن الحسد يولد الحقد، من هذا المنطلق، لا يصبح وجود الحاقد علامة فشل أخلاقي، بل دليل تأثير.

الشخص الذي لا يزعج أحدًا، ولا يحرّك ساكنًا، ولا يثير نقاشًا أو غيرة أو اعتراضًا، غالبًا ما يكون شخصًا بلا أثر، يعيش على هامش المشهد، لا يُنافس، ولا يُقلق، ولا يهدد مواقع الآخرين. أما الناجح، فوجوده بحد ذاته يُربك التوازنات ويُجبر المحيط على إعادة الحسابات.

لماذا يحقد الناس على الناجحين؟

الحقد لا ينشأ من فراغ، بل هو نتاج شعور داخلي بالعجز أو النقص أو الفشل الذاتي. حين يرى الإنسان في غيره ما عجز عن تحقيقه في نفسه، يتحول الإعجاب المكبوت إلى كراهية صامتة، لذلك، نادرًا ما يأتي الحقد من أشخاص ناجحين أو واثقين، بل غالبًا من أولئك الذين يرون في نجاح غيرهم مرآة قاسية لفشلهم.

في هذا السياق، يصبح الحاقد شخصًا يعلن – دون أن يدري – أن الطرف الآخر قد تجاوز سقف التوقعات، وكسر قاعدة الركود، وخرج من دائرة العادي إلى فضاء الاستثناء.

بين النجاح والاستفزاز

لا يعني هذا أن كل من له أعداء هو ناجح بالضرورة، فهناك فرق بين النجاح الحقيقي والاستفزاز المجاني، النجاح الذي يولّد الحقد هو ذاك المبني على العمل، والكفاءة، والاستمرارية، لا على الضجيج أو الادعاء. فالحقد هنا رد فعل على تفوق حقيقي، لا على استعراض فارغ.

ومن هذا المنظور، تصبح المقولة تحذيرًا مبطنًا: إن كنت تسير في طريقك دون مقاومة أو انتقاد أو حتى كراهية، فربما أنت لم تغادر بعد منطقة الراحة، ولم تُحدث الأثر الكافي الذي يستدعي ردود الفعل.

الحقد كثمن للريادة

التاريخ مليء بالأمثلة: مفكرون، مصلحون، قادة، فنانون، وصحفيون… كل من حاول أن يسبق زمنه أو يكسر السائد، وجد نفسه محاطًا بالخصوم قبل الأنصار، فالحقد كان دائمًا الضريبة غير المعلنة للريادة.

وفي المجتمعات التي تعاني من هشاشة ثقافة الاعتراف بالنجاح، يتحول الحقد إلى سلوك شبه جماعي، يُستعمل لتقزيم الإنجازات، والتشكيك في النوايا، وضرب المصداقية بدل مواجهة التفوق بالتطوير والعمل.

ما يمكن استنتاجه هو أن مقولة «إذا لم تجد لك حاقدًا فاعلم أنك فاشل» لا تدعو إلى البحث عن الأعداء، بل إلى مراجعة مستوى الأثر، إنها تقول ببساطة:

إن لم تُحرّك المياه الراكدة، فلن تُحدث موجًا، وإن لم تُحدث موجًا، فلن يلتفت إليك أحد.

فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المصفقين فقط، بل أحيانًا بعدد المنزعجين أيضًا، وبين الإعجاب والحقد، يظل المؤشر الأهم هو أنك موجود، مؤثر، ومختلف وذلك، في عالم مزدحم بالنسخ المتشابهة، نجاح بحد ذاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى