اخبار منوعة

الخطبة الموحدة بين توجيه الدولة ومسؤولية الخطيب: حين يتحول النص من رسالة إلى تلاوة باردة

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

أقرت الدولة نظام الخطبة الموحدة باعتباره اختيارًا مؤسساتيًا يندرج ضمن تنظيم الحقل الديني، وضمان انسجام الخطاب الديني مع الثوابت الوطنية، وحماية المنبر من التوظيف الإيديولوجي أو الانزلاق نحو التطرف، فالخطبة الموحدة، في جوهرها، ليست مجرد نص جاهز، بل برنامج توجيهي يحمل رسائل دينية، اجتماعية، وقيمية، تسعى الدولة من خلالها إلى تأطير الوعي العام، وتعزيز السلم المجتمعي، وترسيخ المرجعية الدينية الوسطية.

غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الخطبة الموحدة في حد ذاته، بل في كيفية تنزيلها على مستوى المنبر، فبين نص مكتوب بروح إصلاحية، وأداء خطيب يفتقر إلى الاجتهاد والتفاعل، تضيع الرسالة، ويتحول المنبر من فضاء للتأثير والإقناع إلى منصة لتلاوة باردة، أقرب إلى قراءة ورقة إدارية منها إلى خطاب ديني حي.

إن الخطيب ليس مجرد ناقل للنص، بل هو وسيط معرفي وتربوي، مطالب بفهم مضمون الخطبة، واستيعاب خلفياتها، والاجتهاد في شرحها وتفسيرها وربطها بواقع الناس اليومي، فالمنبر، تاريخيًا، لم يكن يومًا مكانًا للقراءة الآلية، بل فضاءً للتوجيه، وبناء القيم، وتحريك الوجدان والعقل معًا. وعندما يكتفي الخطيب بسرد الخطبة كما هي، دون شرح أو تبسيط أو إسقاط على الواقع، فإنه يفرغها من بعدها التربوي، ويحولها إلى خطاب جامد لا يلامس انشغالات المصلين.

الخطبة الموحدة تمنح الإطار العام، لكنها لا تلغي دور الخطيب في الإبداع المسؤول. فالدولة، حين توحد الموضوع، لا تصادر الاجتهاد، بل تنظم الاتجاه، والاجتهاد هنا لا يعني الخروج عن النص، بل حسن تنزيله، وشرحه بلغة مفهومة، واستحضار أمثلة واقعية، وربط القيم الدينية بالسلوك اليومي للمواطن، سواء في العمل، أو الأسرة، أو الفضاء العام.

كما أن برودة الإلقاء، وغياب التفاعل، تطرح سؤال التأهيل والتكوين المستمر للخطباء. فالمنبر اليوم يواجه تحديات جديدة: جمهور متنوع، واقع اجتماعي معقد، وتأثير قوي لوسائل التواصل الاجتماعي. وهذا يفرض على الخطيب أن يكون واعيًا بسياق خطابه، قادرًا على التواصل، لا مجرد قارئ لنص موحد.

إن نجاح الخطبة الموحدة لا يقاس فقط بجودة النص، بل بقدرتها على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم، وهذا لن يتحقق إلا إذا انتقل الخطيب من منطق “التلاوة” إلى منطق “البلاغ”، ومن أداء الوظيفة الشكلية إلى تحمل المسؤولية الرسالية. فالمنبر أمانة، والخطبة رسالة، والنص مهما كان قويًا، يبقى محتاجًا إلى خطيب حي، واعٍ، ومجتهد، ليمنحه الروح والمعنى.

مخرجات هذا المقال ، الخطبة الموحدة ليست عذرًا للجمود، بل فرصة لتجديد الخطاب الديني في إطار منضبط ومسؤول، أما تحويلها إلى ورقة تُقرأ بلا إحساس ولا شرح، فهو تفويت لرسالتها، وإضعاف لدور المنبر في بناء الوعي المجتمعي الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى