اخبار منوعة

الدين بين المعنى الوجودي والتوظيف الإيديولوجي:

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
قبل الخوض في تناول الموضوع، ينبغي تحديد المفاهيم المطروحة حتى يكون القارئ على بينة .

تحديد مفهوم الدين بين المعنى الوجودي والمعنى الوظيفي

أولاً: الدين في معناه الوجودي
الدين، في بعده الوجودي، هو تجربة إنسانية عميقة تُعنى بأسئلة الوجود الكبرى: من أنا؟ لماذا وُجدت؟ ما معنى الحياة والموت؟ وما الغاية من الألم والعدل والخير؟
بهذا المعنى، يشكّل الدين إطارًا معنويًا وروحيًا يمنح الإنسان الإحساس بالمعنى والطمأنينة، ويربطه بالمطلق (الله)، ويوجه ضميره الأخلاقي وسلوكه الفردي بعيدًا عن الإكراه أو التوظيف الخارجي. الدين هنا علاقة إيمانية حرة، قائمة على الاقتناع الداخلي، والتزكية الروحية، والبحث عن السكينة والعدل والخير

ثانيا: يُقصد بـ التوظيف الإيديولوجي للدين تحويل الدين من كونه منظومة قيمية وروحية وأخلاقية تهدف إلى تهذيب الإنسان وتنظيم علاقته بذاته وبالآخرين وبالخالق، إلى أداة فكرية وسياسية تُستعمل لخدمة مصالح دنيوية محددة، سواء كانت سياسية أو حزبية أو سلطوية أو فئوية

منذ فجر التاريخ، ظلّ الدين أحد أعمق الأسئلة التي شغلت الإنسان، لا باعتباره طقساً أو نظاماً تشريعياً فحسب، بل بوصفه حاجة وجودية تمنح المعنى للحياة، وتفسّر الألم، وتؤطر علاقة الإنسان بذاته وبالعالم وبالمصير، غير أن هذا البعد الروحي والأخلاقي سرعان ما تداخل، في لحظات تاريخية متعددة، مع السياسة والسلطة، فظهر ما يُعرف بـ«الإيديولوجية الدينية»، حيث يتحول الدين من فضاء إيماني حر إلى أداة تعبئة وتوجيه وتبرير، ومن هنا يتجدد السؤال: هل الدين جوهر إنساني نبيل، أم مجرد «أفيون» لتخدير الشعوب كما قال كارل ماركس؟
أولاً: الدين كحقل وجودي بحث الإنسان عن المعنى
الدين، في جوهره العميق، ليس خطاب سلطة ولا برنامج حكم، بل تجربة وجودية تنبع من قلق الإنسان أمام أسئلة كبرى:
من أنا؟ لماذا وُجدت؟ ما معنى الألم والموت؟ وما الذي يتجاوز هذا العالم؟
في هذا السياق، يؤدي الدين وظائف أساسية:
-يمنح الإنسان معنى للحياة في مواجهة العبث والعدم.
-يؤسس لمنظومة قيم أخلاقية (العدل، الرحمة، الصدق، التضامن).
-يحقق الطمأنينة النفسية والتوازن الروحي.
-يحفز على المسؤولية الفردية وربط الحرية بالمحاسبة.
بهذا المعنى، الدين ليس هروباً من الواقع، بل محاولة لفهمه أخلاقياً وإنسانياً، وهو في كثير من التجارب التاريخية كان محركاً للتحرر ومقاومة الظلم، لا أداة للخضوع له.
ثانياً: الإيديولوجية الدينية حين يتحول الإيمان إلى أداة سلطة
على النقيض من ذلك، تظهر الإيديولوجية الدينية عندما يتم اختزال الدين في خطاب سياسي مغلق، يُوظَّف لخدمة مشروع سلطوي أو حزبي، حيث:
-تُنتقى النصوص وتُؤوَّل بما يخدم مصالح معينة.
-يُقدَّم الفهم البشري للدين على أنه «الحقيقة المطلقة».
-يُستعمل المقدس لتبرير الاستبداد أو إقصاء المخالف.
-يتحول الإيمان من خيار حر إلى أداة تعبئة وضبط اجتماعي.
في هذه الحالة، لا يعود الدين مجالاً للسمو الروحي، بل يصبح لغة سياسية تُكسى بها الصراعات الدنيوية، ويُفرغ من مقاصده الأخلاقية، ليُستعمل كوسيلة شرعنة لا كمصدر قيم.
ثالثاً: ماركس والدين قراءة في سياق «أفيون الشعوب»
حين قال كارل ماركس إن «الدين أفيون الشعوب»، لم يكن يقصد الدين كإيمان فردي أو تجربة روحية خالصة، بل كان ينتقد الدين المؤدلج الذي استعملته الكنيسة في أوروبا القرن التاسع عشر لتبرير الفقر والاستغلال، وإقناع العمال بأن بؤسهم «قدر إلهي» يجب الصبر عليه.
فالدين، في نظر ماركس:
-يصبح «أفيوناً» حين يُستعمل لتخدير الوعي.
-يكون أداة قمع عندما يبرر الظلم بدل مقاومته.
-يتحول إلى عزاء زائف حين يُفصل عن العدالة الاجتماعية.
لكن ماركس نفسه يعترف ضمنياً بأن الدين هو «تنهيدة المخلوق المقهور»، أي تعبير عن معاناة حقيقية، لا سببها، وبالتالي، فالإشكال ليس في الدين ذاته، بل في الظروف الاجتماعية والسياسية التي تُفرغه من مضمونه التحرري.
رابعاً: الدين بين التحرير والتخدير من المسؤول؟
التاريخ يبيّن أن الدين كان:
-وقوداً للتحرر (مقاومة الاستعمار، نصرة المستضعفين، الدفاع عن الكرامة).
-كما كان أحياناً غطاءً للاستبداد حين تماهى مع السلطة.
والفارق هنا لا يصنعه النص الديني، بل:
-من يفسره.
-ولأي غاية يُوظَّف.
-وفي أي سياق اجتماعي وسياسي.
فالدين الذي يحفّز على الوعي، والمساءلة، والعدل، ليس أفيوناً، بل قوة أخلاقية، أما الدين الذي يطالب بالصمت، ويجرّم السؤال، ويُقدّس غير الخالق ، فهو أفيون فعلاً.
مخرجات هذا المقال، فالدين بريء والتوظيف هو المتهم، والدين، في جوهره، حقل وجودي وأخلاقي يمنح الإنسان المعنى والكرامة، بينما الإيديولوجية الدينية هي نتاج بشري، سياسي، قابل للنقد والمساءلة، وما قاله ماركس لا ينطبق على الدين كإيمان حي، بل على الدين حين يُختزل إلى أداة تخدير اجتماعي.
إن المعركة الحقيقية ليست بين الدين والحداثة، ولا بين الإيمان والعقل، بل بين الدين كقيمة محرِّرة، والدين كإيديولوجية سلطوية.
وهنا فقط يمكن أن نفهم أن المشكلة لم تكن يوماً في الدين بل في من يتكلم باسمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى