اخبار منوعة

الرداءة حين تُرفع المعرة إلى مقام الفضيلة

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

في زمن كانت فيه الكفاءة تُقاس بالعطاء، والجدارة تُقوَّم بالنتائج، تسللت الرداءة إلى مفاصل الحياة العامة كدخيلٍ ثقيلٍ لا يُرى، لكنها تُحَسُّ في كل تفصيل، بين من يبررها باسم الواقعية، ومن يتعايش معها تحت مظلة اللامبالاة، غدت الرداءة سلوكا مألوفا، حتى كادت تتحول من معرةٍ تُستنكر إلى خصلةٍ يُعتدّ بها في مجتمعات فقدت بوصلتها القيمية.

ما الرداءة؟

لغة : 
الرَّداءة مصدر من رَدُؤَ الشيءُ أي ساءَ وفَسَدَ ونقصت قيمته، يقال شيءٌ رديء أي ضعيف، قليل الجودة، غير صالح.
اصطلاحا :

الرداءة ليست مجرد ضعف في الأداء أو قصور في الإمكانيات، بل هي تراجع في مستوى الطموح الإنساني وغياب حس المسؤولية الأخلاقية والمهنية، إنها تلك الحالة التي يصبح فيها الرداءة معيارا للنجاح، ويُقصى فيها المجتهد لصالح المطيع، وتُكافأ فيها الطاعة العمياء بدل الكفاءة المستنيرة.
الرداءة إذن ليست صفة فنية أو مهنية فقط، بل هي مرض ثقافي وأخلاقي يُصيب العقول حين ترضى بالحد الأدنى، وتستبدل الاجتهاد بالولاء، والنقد بالتملق.

الرداءة خصلة أم معرة؟

قد يحاول البعض تبرير الرداءة باعتبارها “تأقلما” مع الواقع أو “حكمة” في تجنب الصدام، لكن الحقيقة أن الرداءة معرةٌ لا تليق بالمجتمعات الطامحة إلى النهوض. فهي تمثل الوجه الآخر للفساد، إذ تبرر البقاء في القاع، وتُقصي كل صوت حرّ أو عقل ناقد باسم الانسجام.
وحين تُصبح الرداءة قاعدة، تتحول الكفاءة إلى استثناء، ويُعاد تشكيل منظومة القيم على نحو مقلوب: يصبح الرديء هو النموذج، ويُنظر إلى المتفوق كـ”مزعج” أو “متمرد”.

الرداءة وأثرها في تخليق الحياة العامة

إن أخطر ما تفعله الرداءة هو تشويه الوعي الجمعي، فهي تُربّي أجيالا على ثقافة التبرير لا التغيير، وعلى قبول الفشل لا مجابهته.
في الإدارة، تُنتج الرداءة مسؤولين بلا رؤية، يكتفون بتدبير اليوم بيومه.
في التعليم، تُفرز معلمين يكررون ولا يُبدعون، فيتحول المتعلم إلى مجرد مستهلك للمعلومات.
في الإعلام، تُطلّ الرداءة في شكل خطابات سطحية تمجّد التفاهة وتُغيّب النقد.
وفي السياسة، تُسهم في تقديس الولاءات على حساب الكفاءات، فيُقصى الأذكياء ويُقرَّب المطيعون، ضمانا لاستمرار الطاعة العمياء لا لنجاح المشروع الوطني.

نحو قطيعة مع الرداءة

محاربة الرداءة ليست شعارا أخلاقيا، بل مشروعا مجتمعيا يتطلب إرادة سياسية وثقافية.
فلا يمكن تخليق الحياة العامة دون إعادة الاعتبار لقيم الاستحقاق والجدارة، وتحرير المؤسسات من ثقافة الولاء الضيق.
المدرسة مطالبة بتربية الناشئة على النقد لا الحفظ، والإدارة مطالبة بتكريس مبدأ “الرجل المناسب في المكان المناسب”، والإعلام مطالب بإحياء دور التنوير لا التطبيل.

الرداءة تُحارب حين تُكافأ الكفاءة، وتُستبدل ثقافة المجاملة بثقافة المسؤولية، وحين نعيد للضمير الاجتماعي حسه الجمالي والأخلاقي تجاه الإتقان والصدق والجدية والنزاهة والشفافية.

مستنتجات هذا المقال ، الرداءة ليست قدرا، بل اختيارٌ جماعيٌّ نتواطأ عليه بصمتنا ومجاملتنا وتهاوننا وتواطؤنا ونفاقنا ، ومتى وعينا أن التقدم لا يُبنى على الطاعة بل على الإبداع، ولا على الولاء بل على العطاء، حينها فقط يمكننا أن نؤسس لوطنٍ يليق بأبنائه، ويقطع مع زمن الرداءة إلى زمن الجودة والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى