اخبار منوعة

الصحافة بين رسالة الخدمة ومسؤولية التأثير: حين تنحرف البوصلة عن دورها الحقيقي

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر

تُعدّ الصحافة إحدى الركائز الأساسية لبناء مجتمع واعٍ وقادر على التمييز بين الحقيقة والتضليل، فهي ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل رسالة نبيلة تقوم على خدمة المجتمع، تنوير الرأي العام، وتعزيز قيم الحوار والمسؤولية والشفافية، غير أن الواقع الإعلامي في السنوات الأخيرة يعرف انزياحات خطيرة، حيث أصبح جزء من الممارسة الصحفية يميل نحو إثارة الفوضى، نشر الضغائن، واستقطاب الرأي العام بشكل غير مهني، مما يهدد الثقة في الإعلام ويشوّه مكانته كسلطة رابعة.

أولاً: الصحافة خدمة ومسؤولية لا وسيلة للتأجيج ، فالصحافة المهنية تقوم على البحث عن الحقيقة، احترام أخلاقيات المهنة، وإعطاء الأولوية للمصلحة العامة، فالمبدأ الأساسي في العمل الصحفي هو أن يكون الإعلامي خادماً للمجتمع، لا محرضاً على الانقسام أو مثيراً للتوترات، ومع ذلك، تبرز اليوم فئات إعلامية تمارس الإثارة بدل التحقيق، والانفعال بدل التحليل، مما يحوّل الإعلام من مؤسسة للتنوير إلى أداة للتشويش والتضليل.

هذا الانحراف يظهر خصوصاً في المحتوى الذي يعتمد على العناوين الصادمة، الأحكام الجاهزة، أو استغلال الأحداث الاجتماعية والسياسية من أجل رفع نسب المشاهدة أو جلب التفاعل، على حساب الدقة والموضوعية.

ثانياً: استقطاب الرأي العام ، حين تصبح الصحافة أداة توجيه بدل وسيلة إخبار
تنامى في السنوات الأخيرة دور الإعلام في خلق الانقسامات داخل المجتمع، عبر اعتماد خطاب استقطابي يهدف إلى جذب جمهور معين على حساب وحدة النسيج الاجتماعي، فبدل تقديم معطيات متوازنة، تميل بعض المنابر إلى ترويج سرديات محسوبة تخدم مصالح سياسية أو اقتصادية أو شخصية.

هذا السلوك يُفقد الصحافة دورها كوسيط بين الحقيقة والجمهور، ويحوّلها إلى طرف في الصراع، مما يؤدي إلى تضليل الرأي العام، وتغذية العداء بين فئات المجتمع، بل وخلق رأي عام مبني على العاطفة لا على الوعي.

ثالثاً: مسؤولية المؤسسات الإعلامية في ضبط الانزياحات ، فمؤسسات الصحافة مسؤولة قانونياً وأخلاقياً عن محتواها، فالقوانين المنظمة للمهنة، بما فيها قانون الصحافة والنشر المغربي، تضع مبادئ واضحة تفرض احترام الحقيقة، الالتزام بالموضوعية، تجنب المسّ بكرامة الأشخاص، وعدم نشر الأخبار الزائفة، كما تلزم الصحفي والمؤسسة معاً بميثاق أخلاقي مبني على النزاهة، الاستقلالية، والتثبت من المعلومة.

لكن غياب التكوين، ضعف الرقابة الذاتية، واستسهال الربح المادي عبر الإثارة، كلها عوامل تساهم في تضخم هذه الظاهرة. لذلك، يبقى تعزيز الحكامة المهنية داخل المؤسسات الإعلامية ضرورة لحماية المهنة من الانهيار الأخلاقي.

رابعاً: الجمهور الحلقة الأقوى في ضبط جودة الصحافة ، إحدى الحقائق المهمة التي يغفلها كثيرون هي أن الجمهور شريك أساسي في تحديد مستوى الصحافة، فكلما ارتقى وعي المواطن وقدرته على التمييز بين المحتوى الجاد والمحتوى الموجه، كلما انحسرت ظاهرة الإثارة الإعلامية، أما عندما يغيب هذا الوعي، تصبح الأخبار السطحية والمشوشة هي الأكثر انتشاراً، لأنها تجد جمهوراً متعطشاً للمفاجأة أكثر من الحقيقة.

لذلك، فإن الرفع من منسوب الثقافة الإعلامية لدى الجمهور—خاصة في عصر الشبكات الاجتماعية—أصبح واجباً وطنياً لا يقل أهمية عن إصلاح المؤسسات الإعلامية نفسها.

مخرجات هذا المقال، الجدير بالذكر أن الصحافة ليست سلاحاً يُشهر في وجه المجتمع، بل مرآة تعكس الحقيقة بوضوح وتجرد، وكل إنحراف عن دورها الطبيعي نحو خلق الفوضى ونشر الضغائن واستقطاب الرأي العام، ماهو إلا خطر يهدد الثقة بين المواطن والإعلام، ويضعف مناعة المجتمع أمام الإشاعات والتضليل والرداءة ومن ثم، فإن ترسيخ إعلام مهني ومسؤول وجاد يقتضي احترام أخلاقيات المهنة، تقوية المؤسسات الصحفية، والارتقاء بوعي المواطن لأن صحافة بلا أخلاق هي إعلام بلا رسالة، ومجتمع بلا بوصلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى