اخبار منوعة

الطبقة السياسية في المغرب: بين منطق الاستمرار وأزمة التجديد

ذا عمرو العرباوي/مدير النشر

في سياق اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، يتصاعد خطاب سياسي ومجتمعي حاد يعتبر أن “الطبقة السياسية بالمغرب انتهت مدة صلاحيتها”، وأن ما يجري اليوم ليس سوى محاولة لتمديد عمرها بأي ثمن، هذا الطرح، وإن بدا متشددًا في صياغته، يعكس حالة احتقان وفقدان ثقة متزايدة لدى جزء من الرأي العام، ويطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الممارسة السياسية وحدود تجدد النخب.

أزمة ثقة أم أزمة بنية؟

لا يمكن فهم هذا الشعور دون العودة إلى التحولات التي شهدها المشهد السياسي المغربي خلال العقدين الأخيرين، خاصة منذ اعتماد دستور 2011، الذي فتح آفاقًا واسعة لتعزيز الديمقراطية التمثيلية وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن الممارسة الفعلية أظهرت فجوة واضحة بين النص الدستوري والتطبيق الواقعي، حيث ظل أداء عدد من الفاعلين السياسيين دون مستوى تطلعات المواطنين.

هذه الفجوة ساهمت في تآكل الثقة، إذ باتت الانتخابات في نظر البعض مجرد آلية لإعادة إنتاج نفس الوجوه، بدل أن تكون وسيلة لتجديد النخب وضخ دماء جديدة في المؤسسات المنتخبة.

منطق البقاء: كيف تشتغل “الآلة الانتخابية”؟

تفسَّر ظاهرة “تمديد الصلاحية” التي يُتهم بها بعض السياسيين بعدة عوامل متداخلة:
-التحكم في التزكيات الحزبية: حيث تتحول الأحزاب إلى فضاءات مغلقة تُدار فيها التزكيات وفق منطق الولاءات الشخصية أو الحسابات الانتخابية الضيقة، بدل الكفاءة والاستحقاق.
-استعمال شبكات النفوذ المحلي: يعتمد بعض المنتخبين على علاقات تقليدية (قبلية، زبونية، خدماتية) لضمان إعادة انتخابهم، ما يجعل المنافسة غير متكافئة أمام الطاقات الجديدة.
-ضعف الديمقراطية الداخلية للأحزاب: كثير من التنظيمات الحزبية لم تنجح في ترسيخ التداول الداخلي على القيادة، مما يخلق نوعًا من “الجمود السياسي” داخلها.
-تداخل المال والسياسة: في بعض الحالات، يلعب المال الانتخابي دورًا حاسمًا في ترجيح كفة مرشحين بعينهم، ما يعمّق أزمة الثقة ويضعف مصداقية العملية الانتخابية.

مسؤولية مشتركة: من السياسي إلى المواطن

رغم تحميل المسؤولية غالبًا للطبقة السياسية، فإن الواقع أكثر تعقيدًا، فجزء من الإشكال يرتبط أيضًا بضعف المشاركة السياسية، حيث يسجل عزوف ملحوظ عن التصويت، خاصة في صفوف الشباب، هذا العزوف يترك المجال مفتوحًا أمام نفس الوجوه للاستمرار، ويضعف فرص التغيير من داخل المؤسسات.

كما أن غياب ثقافة سياسية قائمة على المساءلة اليومية، وليس فقط الموسمية خلال الانتخابات، يساهم في استمرار نفس الأنماط من الممارسة.

هل نحن أمام نهاية طبقة أم بداية تحول؟

القول بانتهاء “مدة صلاحية” الطبقة السياسية قد يكون تعبيرًا رمزيًا أكثر منه توصيفًا دقيقًا، فالمشهد السياسي لا يشتغل بمنطق الانقطاع التام، بل بمنطق التراكم والتحول التدريجي، ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية توحي بوجود حاجة ملحّة لإعادة هيكلة الحقل السياسي على أسس جديدة، تقوم على:
-تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي.
-فتح المجال أمام الكفاءات الشابة والنخب الجديدة.
-إصلاح عميق للأحزاب السياسية لتصبح مؤسسات حقيقية للتأطير والتكوين.
-تجديد الخطاب السياسي بما يلامس قضايا المواطن اليومية.

بين النقد والإصلاح

إن توصيف الوضع بكونه مجرد “تمديد لصلاحية منتهية” يعكس غضبًا مشروعًا، لكنه يحتاج إلى أن يتحول إلى قوة اقتراحية تدفع نحو الإصلاح، بدل الاكتفاء بالتشخيص السلبي. فالتغيير السياسي لا يحدث فقط بإدانة الواقع، بل ببناء بدائل قادرة على كسب ثقة المواطنين.

مخرجات هذا المقال، يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك النخب السياسية الحالية القدرة على تجديد نفسها من الداخل، أم أن التحول سيأتي من خارجها عبر صعود قوى جديدة؟ الجواب عن هذا السؤال سيتحدد، إلى حد كبير، في محطات 2026، التي قد تشكل لحظة مفصلية في إعادة رسم ملامح المشهد السياسي المغربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى