اخبار منوعة

العناق الذي يقتل: حين يتحوّل النفاق إلى أسلوب حياة

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر

في عالم تتسارع فيه المصالح وتختلط فيه الأقنعة بالوجوه الحقيقية، لم يعد العناق دليلاً على المودة، ولا الابتسامة عنوان صفاء، كثيرون يأتونك محمّلين بعبارات الإطراء، يفتحون أذرعهم كما لو أنهم ملاذ أمان، لكنهم في الخفاء يسنّون سكاكين النفاق.

فعبارة «يأتونك بالعناق ويقتلونك بالنفاق» ليست مجرد جملة عابرة، بل توصيف دقيق لواقع اجتماعي بات ينهش الثقة بين الناس.

النفاق ليس سلوكاً طارئاً، بل هو منظومة متكاملة من التزييف؛ تزييف للمشاعر، وللمواقف، وحتى للحقائق، المنافق يجيد لعبة الأدوار، يتقن تغيير الوجوه بحسب المصلحة، يمدحك اليوم ليبيعك غداً، ويقسم على الوفاء ثم يكون أول الهاربين عند الشدائد، لذلك قيل إن القلوب الخبيثة تبقى خبيثة، لأن الخبث ليس موقفاً لحظياً، بل طبيعة متجذرة يصعب اقتلاعها.

كم من إنسان منح الآخرين من طيبته أطناناً، فكان جزاؤه سهاماً مسمومة؟ المشكلة أن أصحاب النيات الصادقة يعتقدون أن الخير مُعدٍ، وأن المعروف كفيل بتليين أقسى الطباع، لكن التجربة تثبت أن بعض النفوس لا يزيدها الإحسان إلا تماديا، فهي تعتبر التسامح ضعفاً، والكرم غباءً، والصفح فرصة جديدة للغدر.

إن أخطر ما في النفاق أنه يقتل بصمت، لا يواجهك في الميدان، بل يتسلل من الخلف، يزرع الشك بين الأصدقاء، ويحوّل بيئات العمل إلى ساحات تصفية حسابات، ويجعل المجتمعات تعيش حالة ارتياب دائم، ومع تكرار الصدمات يتعلم الناس ارتداء الدروع بدل القلوب، فتضيق مساحات الثقة ويتراجع دفء العلاقات الإنسانية.

ومع ذلك، لا يمكن الاستسلام لسطوة الخبث، فالمطلوب ليس التحول إلى نسخ مشوهة ممن آذونا، بل امتلاك وعي يحمي طيبتنا من الاستغلال، فالحكمة تقتضي التمييز بين الصفح الواعي والسذاجة، وبين حسن الظن والعمى الإرادي، من حق الإنسان أن يمنح الفرص، لكن من واجبه أيضاً أن يغلق الأبواب في وجه من أثبتوا أن العناق عندهم مجرد فخ.

إن المجتمع الذي يكافئ النفاق هو مجتمع يؤسس لانتحاره الأخلاقي، لذلك تبقى المسؤولية مشتركة: تربية على القيم الصادقة، وإعلام يفضح الازدواجية، ومؤسسات تُعلي من شأن الاستقامة. فالمعركة الحقيقية ليست بين أشخاص، بل بين ثقافتين؛ ثقافة الصدق التي تبني، وثقافة التزييف التي تهدم.

مخرجات هذا المقال ، قد ينجح المنافقون في خداع البعض لبعض الوقت، لكنهم لا يستطيعون خداع الحياة كلها، فالأقنعة تسقط مهما طال ثباتها، والقلوب الخبيثة ينكشف معدنها عند أول اختبار حقيقي. وحده الصدق يملك القدرة على البقاء، أما العناق الملوث بالنفاق فمصيره أن يرتد على أصحابه ولو بعد حين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى