اخبار منوعة
الفلسفة، حين ينتصر العقل وتنهزم أوهام الجهل

ذا عمرو العرباوي/مدير النشر
تُعدّ الفلسفة منذ نشأتها مرجعاً أعلى للعقل الإنساني، وحين نقول إنّ “مرجع الفيلسوف هو العقل”، فإننا نقول ضمناً إنّ هزيمة الفلسفة هي في جوهرها هزيمة للعقل ذاته، وانتصار للظلامية وللقوى التي تخشى السؤال وتتحسّس من نور الحقيقة. فما معنى الفلسفة؟ ولماذا يتخوف منها البعض؟ وهل يمكن للمجتمعات أن تتقدّم دون فلسفة تُنير لها مسار الوعي والتفكير؟
هذا المقال يقدم قراءة تحليلية شاملة، تُبرز دور الفلسفة في تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي، وتكشف حدود الاستغناء عنها في زمن تتسارع فيه التحولات وتتزاحم الأسئلة.
أولاً: معنى الفلسفة لغةً واصطلاحاً
1-المعنى اللغوي
تعود كلمة “فلسفة” إلى الأصل اليوناني Philo–Sophia، أي محبة الحكمة،هي ليست علماً جامداً ولا نظرية مغلقة، بل ميل فطري نحو المعرفة، واشتغال مستمر على التفكير في الوجود والإنسان والقيم.
2-المعنى الاصطلاحي
اصطلاحاً، يمكن تعريف الفلسفة بأنها:
“بحث عقلي نقدي في مبادئ الوجود والمعرفة والقيم، يقوم على طرح الأسئلة، ومساءلة المسلّمات، وإعادة بناء المعنى على أسس منطقية وعقلية.”
بهذا المعنى، فالفلسفة ليست ترفاً ذهنياً، بل منهج للتفكير، وأداة لفهم العالم، وممارسة عقلية تساعد الإنسان على التحرر من الأوهام.
ثانياً: لماذا يتخوف البعض من الفلسفة؟
الخوف من الفلسفة ليس جديداً، بل رافقها منذ اليونان القديمة إلى لحظاتنا المعاصرة، ويمكن تلخيص أسباب هذا التخوف في أربع نقاط أساسية:
1-لأنها تُزعج اليقين الساذج
الفلسفة تُربك من يعتاش على الجواب الجاهز، وتُحرج من يخاف السؤال، هي قوة نقدية تجعل الفكر غير قابل للتدجين.
2-لأنها تكشف السلطة والمعنى
في التاريخ، غالباً ما اصطدمت الفلسفة بسلطات سياسية أو دينية خشيت من قدرتها على تحرير العقل.
فالعقل الحر صعب السيطرة عليه، والسؤال الفلسفي يفتح الطريق نحو الوعي والقدرة على المحاسبة.
3-لأنها تحرّر الإنسان من الخرافة
التفكير الفلسفي يجعل الإنسان مواطناً لا تابِعاً، ناقداً لا منساقاً، وهو ما لا يناسب الأنظمة القائمة على الطاعة العمياء.
4-لأنها تتعارض مع الرداءة
الفلسفة تهدد من يقدّس الرداءة، لأنها ترفع سقف التفكير، وتعلي من شأن العقل والكفاءة، وتفضح العبثية في القرارات والممارسات.
ثالثاً: أثر الفلسفة في الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي
الفلسفة ليست مجرد تنظير بل قوة فاعلة في بناء المجتمعات. ويمكن اختزال تأثيرها في المستويات التالية:
1-التأثير الاجتماعي: بناء الإنسان المفكِّر
-تنمّي الفلسفة روح التسامح وقبول الاختلاف.
-تدرّب الفرد على الحوار العقلاني وحل النزاعات بطرق حضارية.
-تعزّز القدرة على التحليل بدل الاستسلام للعاطفة والانفعال.
المجتمع الذي يفكر فلسفياً يصعب تضليله، ويصبح أكثر قدرة على الدفاع عن كرامته وحقوقه.
2-التأثير السياسي: ترسيخ المواطنة الواعية
الفلسفة ساهمت تاريخياً في بروز مفاهيم كونية مثل :الحرية،الدولة المدنية،فصل السلط،العقد الاجتماعي،حقوق الإنسان.
لا ديمقراطية من دون وعي سياسي، ولا وعي سياسي من دون تفكير فلسفي نقدي يفضح الاستبداد ويعزز قيم المحاسبة والشفافية.
3-التأثير الثقافي: صناعة المعنى وتحصين الهوية
الفلسفة تمنح الثقافة عمقاً وتوازناً، وتمنع انزلاقها نحو التعصب أو الانغلاق، هي التي جعلت الحضارات الكبرى تتطورمن الفلسفة الإسلامية إلى العصر الحديث.
4-التأثير الاقتصادي: العقلانية واتخاذ القرار
لا اقتصاد متقدم دون تفكير فلسفي قائم على: تحليل الظواهر,صياغة فرضيات,المراجعة المستمرة,القدرة على رؤية المستقبل.
حتى العلوم الاقتصادية الحديثة، من آدم سميث إلى الاقتصاد السلوكي، تأسست على جذور فلسفية.
رابعاً: هل يمكن الاستغناء عن الفلسفة؟
الجواب ببساطة: لا.
الاستغناء عن الفلسفة يعني الاستغناء عن العقل، وعن القدرة على التفكير النقدي، وعن روح السؤال التي تفتح باب التقدم.
فالمجتمعات التي تُهمّش الفلسفة تُنتج:
مواطنين غير واعين،خطاباً شعبوياً،تفكيراً سطحياً،ثقافة خاضعة،اقتصاداً بلا رؤية،
وسياسة بلا مساءلة.
بينما المجتمعات التي تحتضن الفلسفة تُنتج:عقلاً نقدياً ،مؤسسات قوية ، ثقافة عقلانية ،وعياً سياسياً نشطاً، تنمية شاملة.
فالفلسفة ليست مادة مدرسية فقط، بل بوصلة حضارية.
خامساً: الفلسفة كشرط من شروط النهضة
حين ينتصر العقل، تنتصر الفلسفة، وينتصر معها:التفكير الحر ، الإبداع ،العلم ،التنمية الشاملة ، والإنسان ذاته.
وحين تُهزم الفلسفة، يُهزم العقل، وتنهزم معه كل آمال التقدم.
لذلك فإن مستقبل أي مجتمع مرهون بقدرته على إنعاش التفكير الفلسفي، وفتح نوافذ السؤال، وإعادة الاعتبار للعقل كمؤسسة عليا فوق كل المؤسسات.
مخرجات هذا المقال ، الفلسفة ليست تهديداً، بل حماية ، ليست خطراً، بل ضمانة.
ليست عبئاً، بل ضرورة وجودية ومعرفية.
هي الوعاء الذي يحفظ للإنسان قيمه، ويصون للمجتمع وعيه، ويمنح للسياسة معناها، وللاقتصاد رؤيته، وللثقافة عمقها.
وفي النهاية، نحن أمام اختيار واضح:
إما مجتمع بعقلٍ مفكّر وإما مجتمع يُدار بالطاعة العمياء والرداءة.
وتبقى الفلسفة هي الطريق الأولى نحو الحرية والوعي والتقدم.



