اخبار منوعة

بين الأرقام الرسمية ولهيب الأسواق: من يحمي القدرة الشرائية في رمضان؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
مع حلول شهر رمضان من كل عام، يتجدد النقاش حول وضعية الأسواق الوطنية، بين تطمينات رسمية تؤكد وفرة التموين واستقرار الوضع، وشكاوى متزايدة من المواطنين بشأن ارتفاع الأسعار. هذا العام، أعلنت الحكومة، على لسان الناطق الرسمي باسمها، أن التموين يتم “بشكل عادي وفي ظروف طبيعية”، وأن مختلف المواد الأساسية متوفرة بكميات كافية لتلبية حاجيات المستهلكين.
حصيلة المراقبة: أرقام مطمئنة على الورق
بحسب المعطيات المقدمة، فإن تدخلات اللجان المحلية التي تترأسها وزارة الداخلية على مستوى العمالات والأقاليم، أسفرت خلال الفترة الممتدة من فاتح شعبان إلى غاية السادس من رمضان عن:
-تنظيم 43.421 عملية مراقبة.
-ضبط 4.038 مخالفة،
منها 1.101 إنذار،
و2.937 محضراً أُحيلت إلى المحاكم المختصة
-حجز وإتلاف حوالي 273 طناً من المنتجات غير الصالحة للاستهلاك أو غير المطابقة للمعايير التنظيمية،
كما أُشير إلى الدور الذي تقوم به الوكالة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا) في الرصد والتتبع الدقيق لجودة المواد المعروضة في الأسواق.
هذه الأرقام، في ظاهرها، تعكس مجهوداً رقابياً مكثفاً، وتوحي بصرامة في التعاطي مع المخالفات حمايةً لصحة المستهلك وضماناً لنزاهة المعاملات التجارية.
واقع الأسواق: ارتفاعات “صاروخية” تثير القلق
غير أن جولة سريعة في عدد من الأسواق الشعبية ونقط البيع بالتقسيط تكشف واقعاً مختلفاً، فأسعار الخضر والفواكه واللحوم الحمراء والدواجن شهدت، وفق شهادات متطابقة، زيادات وُصفت بـ”الصاروخية”، تجاوزت في بعض الحالات نسبة 100 في المائة مقارنة بفترات سابقة.
هذا التباين بين الخطاب الرسمي والانطباع المعيشي يطرح سؤالاً جوهرياً:
هل تكفي وفرة السلع لضمان استقرار الأسعار؟ أم أن إشكالية القدرة الشرائية أعمق من مجرد توفر المواد؟
أين يكمن الخلل؟
تفسير هذه المفارقة يقتضي الوقوف عند عدة عوامل متداخلة:
1-منطق العرض والطلب في ذروة الاستهلاك:
رمضان يُعد موسماً استثنائياً من حيث الاستهلاك، حيث يرتفع الطلب بشكل حاد ومفاجئ، ما يمنح بعض الوسطاء فرصة لرفع الأسعار في غياب سقف مضبوط لهوامش الربح.
2-تعدد الوسطاء في سلاسل التوزيع:
طول مسار المنتوج من المنتج إلى المستهلك يساهم في تضخم السعر النهائي، إذ تتراكم هوامش الربح عبر حلقات متعددة، ما يجعل السعر في السوق بعيداً عن كلفة الإنتاج الحقيقية.
3-محدودية المراقبة الميدانية:
رغم كثافة عمليات المراقبة المُعلنة، فإن عدد اللجان المحلية يبقى محدوداً مقارنة باتساع رقعة الأسواق ونقط البيع، خاصة في المدن المتوسطة والصغرى، وهو ما يفتح المجال أمام بعض الممارسات غير المشروعة بعيداً عن أعين الرقابة.
4-ضعف ثقافة التبليغ:
كثير من المستهلكين يفضلون الصمت بدل التبليغ عن التجاوزات، إما لغياب الثقة في جدوى الشكايات أو لعدم المعرفة بالمساطر المعتمدة، ما يقلل من فعالية الردع المجتمعي.
بين الردع والوقاية: أي مقاربة مطلوبة؟
حماية المستهلك لا يمكن أن تُختزل في أرقام المخالفات والمحاضر، فالتحدي الحقيقي يكمن في إرساء مراقبة مستمرة ودائمة، لا ظرفية مرتبطة بالمواسم الدينية فقط، كما أن المقاربة الزجرية ينبغي أن توازيها إجراءات وقائية، من قبيل:
-تشديد مراقبة هوامش الربح في المواد الأساسية.
-تقليص عدد الوسطاء عبر دعم مسالك التوزيع القصيرة.
-دعم أسواق القرب المنظمة.
-تعزيز الشفافية في الإعلان عن الأسعار.
-تمكين جمعيات حماية المستهلك من أدوار أكبر في التوعية والتبليغ.
ما ينبغي إستنتاجه، وهو أنه يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في معادلة السوق، فهو من يتحمل كلفة أي اختلال، ويعاني في صمت من تآكل قدرته الشرائية، وبين تطمينات المسؤولين وواقع الأسعار، تتسع فجوة الثقة التي لا يمكن ردمها إلا بسياسات عملية ملموسة يشعر بها المواطن في جيبه قبل أن يسمعها في التصريحات.
رمضان، بما يحمله من قيم التضامن والتكافل، يفترض أن يكون موسماً للرحمة لا موسماً للمضاربة، والسوق، مهما كانت آلياتها، تظل في حاجة إلى ضمير حي ورقابة يقظة حتى لا تتحول حرية التجارة إلى عبء على القدرة الشرائية.
فهل تنجح الجهات المعنية في تحويل الأرقام إلى أثر حقيقي يلمسه المواطن؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحكم عليه الشارع، لا البيانات الرسمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى