اخبار منوعة

حين تتحول السياسة إلى موسم انتقالات: قراءة في ظاهرة الترحال الحزبي قبيل الانتخابات

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر

قبل أشهر قليلة من الاستحقاقات البرلمانية، ترتفع حرارة المشهد السياسي، لا بسبب البرامج أو المناظرات، بل بفعل موجة “انتقالات” مفاجئة في صفوف سياسيين بارزين يغادرون أحزابهم نحو وجهات جديدة. مشهد يكاد يتحول إلى طقس انتخابي دوري، يثير أسئلة عميقة حول طبيعة الالتزام الحزبي، ومعنى التمثيل السياسي، وحدود الأخلاق في الممارسة الديمقراطية.

في المغرب، كما في تجارب ديمقراطية ناشئة، لا يُعدّ الترحال الحزبي ظاهرة عابرة، بل مؤشرًا دالًا على أعطاب بنيوية في الحياة الحزبية، فقد عرفت الساحة السياسية انتقالات لافتة بين أحزاب كبرى مثل حزب العدالة والتنمية وحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، خصوصًا كلما اقترب موعد الاقتراع، فما الذي يفسر هذا السلوك السياسي؟ وهل نحن أمام براغماتية مشروعة أم انتهازية مقنّعة؟

أولًا: منطق “الحظوظ الانتخابية” بدل منطق القناعة

أبرز تفسير لهذه الظاهرة هو حسابات الربح والخسارة، فالسياسي الذي يستشعر تراجع شعبية حزبه، أو ضعف حظوظه في نيل التزكية، يبحث عن “سفينة” أكثر أمانًا، حيث يتحول الحزب من إطار مرجعي فكري إلى مجرد وعاء انتخابي، ويغدو الانتماء مسألة تقنية لا مبدئية.

في هذا السياق، تصبح الانتخابات أشبه بسوق سياسية مفتوحة، حيث يُعاد توزيع الأدوار وفق استطلاعات غير معلنة، وميزان القوة المالي والتنظيمي، ومدى قرب الحزب من دوائر القرار، إنها براغماتية باردة تُفرغ العمل الحزبي من روحه النضالية.

ثانيًا: هشاشة البناء الحزبي وغياب الديمقراطية الداخلية

الانتقالات المكثفة تكشف أيضًا عن أزمة داخلية في بنية الأحزاب، فحين تغيب الشفافية في منح التزكيات، أو يُحتكر القرار داخل دوائر ضيقة، يشعر بعض القياديين بالإقصاء، فيختارون الرحيل بدل المواجهة.

كما أن ضعف التأطير الإيديولوجي يجعل الانتماء سطحيًا، بحيث لا يشكل الانتقال صدمة فكرية أو أخلاقية، فحين تتقارب البرامج وتتشابه الشعارات، يسهل الانتقال دون حرج أمام القواعد أو الرأي العام.

ثالثًا: المال الانتخابي وإغراء “الجاهزية”

لا يمكن إغفال البعد المالي في هذه التحركات، فبعض الأحزاب تبحث عن مرشحين “جاهزين انتخابيًا”، يملكون شبكات محلية وقدرة تعبئة، فيما يسعى بعض المنتخبين إلى أحزاب توفر دعمًا لوجستيًا وماليًا أكبر.

هنا تتحول العملية السياسية إلى استثمار قصير الأمد، وتُختزل الديمقراطية في حسابات المقاعد، لا في رهانات الإصلاح.

رابعًا: أثر الترحال على الثقة الشعبية

أخطر ما في هذه الظاهرة ليس الانتقال في حد ذاته، بل أثره الرمزي، فحين يرى المواطن سياسيًا يدافع أمس عن برنامج معين، ثم ينتقل اليوم إلى حزب كان ينتقده بشدة، تتآكل الثقة في الخطاب السياسي برمّته.

تتغذى بذلك مشاعر العزوف، ويترسخ الانطباع بأن السياسة لعبة مواقع لا مشروع مجتمع، وفي بلد يسعى إلى ترسيخ مسار ديمقراطي مستقر، يصبح هذا التآكل المعنوي أكثر كلفة من أي خسارة انتخابية.

خامسًا: بين الحرية الدستورية والأخلاق السياسية

لا جدال في أن حرية الانتماء مكفولة، وأن تغيير الحزب حق سياسي، لكن الفرق كبير بين انتقال مبدئي معلل برؤية سياسية جديدة، وبين انتقال ظرفي تحكمه مصلحة آنية.

المعضلة إذن ليست قانونية بقدر ما هي أخلاقية وثقافية، فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الأحزاب أو انتظام الانتخابات، بل بمدى ترسخ قيم الالتزام والوضوح والوفاء للناخبين.

الحاجة إلى إصلاح أعمق من تبديل الألوان

موجة الانتقالات قبيل الانتخابات ليست مجرد حراك عابر، بل مرآة تعكس اختلالًا في العلاقة بين الحزب والسياسي، وبين السياسي والناخب.

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بمنع الترحال فقط، بل بتقوية الديمقراطية الداخلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الوعي لدى الناخب ليُميز بين من ينتقل بدافع قناعة، ومن ينتقل بحثًا عن مقعد.

مخرجات هذا المقال، إن السياسة ليست مباراة لتبديل القمصان، بل تعاقد أخلاقي مع المجتمع، وكلما تحولت إلى سباق مواقع، خسرت معناها حتى لو كسبت مقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى