اخبار منوعة

سورة البقرة دستور الأمة في شهر القرآن

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
في شهر رمضان، حيث تتنزل السكينة وتتجدد الصلة بين الأرض والسماء، يعود المسلم إلى كتاب الله باحثاً عن الهداية والتوازن، وليس من قبيل المصادفة أن تكون أطول سور القرآن، سورة البقرة، هي السورة التي أرست قواعد البناء العقدي والتشريعي والاجتماعي للأمة، فهي ليست مجرد نص طويل، بل مشروع حضاري متكامل بدأ مع فجر الدولة الإسلامية في المدينة، وما يزال يخاطب ضمير الإنسان إلى اليوم.
سياق النزول لحظة تأسيس أمة
نزلت سورة البقرة في المدينة المنورة، في مرحلة دقيقة من تاريخ الإسلام: مرحلة الانتقال من الاستضعاف إلى بناء الدولة، لذلك جاءت آياتها معالجة لقضايا الإيمان، والهوية، والتشريع، والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
كانت المدينة آنذاك فضاءً متعدد المكونات: مسلمون، ويهود، ومنافقون، فجاءت السورة لتؤسس للتمايز العقدي، وتضبط العلاقة بالآخر، وتُحذر من الانحراف الذي وقعت فيه الأمم السابقة، خاصة بني إسرائيل، الذين خصصت لهم السورة مساحة واسعة تذكيراً وتحذيراً.
دروس من بني إسرائيل حين يتحول الدين إلى جدل
عرضت السورة تاريخ بني إسرائيل لا للتشهير، بل للعبرة، فقد عرفوا الحق، لكنهم جادلوا فيه، وبدلوا أوامره، ونقضوا عهودهم، فجاء الخطاب القرآني صارماً:
الإيمان ليس معرفة نظرية، بل التزام عملي.
ومن هنا كانت قصة البقرة رمزاً لمرض الجدل والتسويف، حين يتحول الأمر الإلهي الواضح إلى متاهة من الأسئلة العقيمة.
تحويل القبلة اختبار الطاعة
ومن أبرز أحداث السورة حادثة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، أثار القرار جدلاً بين المنافقين واليهود، لكن الرسالة كانت واضحة:
الطاعة فوق العادة، والامتثال فوق الجدل.
لقد كان التحول إعلاناً لاستقلال الهوية الإسلامية، وتأكيداً أن هذه الأمة لها قبلتها ورسالتها ومسارها الخاص.
رمضان في قلب السورة مدرسة التقوى
في قلب سورة البقرة جاءت آيات الصيام:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾
الصيام هنا ليس مجرد فريضة جسدية، بل برنامج لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل، غايته التقوى، أي يقظة الضمير ومراقبة الله،  وليس عبثاً أن تأتي بعدها مباشرة آية الدعاء:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾
كأن الصيام يهيئ القلب ليقترب أكثر من الله، في لحظة صفاء روحي لا تتكرر إلا في رمضان.
العدالة أساس العمران
لم تغفل السورة الجانب الاقتصادي والاجتماعي، فجاءت بأحكام تحريم الربا، وتوثيق الديون في أطول آية في القرآن، وتنظيم الأسرة والطلاق والعدة، رسالة واضحة مفادها:
لا تقوم أمة على الفوضى، ولا يستقيم مجتمع بلا عدالة.
تحريم الربا كان إعلاناً أخلاقياً بأن المال وسيلة إعمار لا أداة استغلال، وتوثيق الديون دليل على أن الإسلام دين مؤسسات وتنظيم، لا شعارات عاطفية.
ذروة العقيدة آية الكرسي وخاتمة السورة
في آية الكرسي تتجلى عقيدة التوحيد في أبهى صورها: إله حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض، معرفة الله هنا ليست مفهوماً تجريدياً، بل أساس الطمأنينة والاستقرار.
وتختتم السورة بإعلان الإيمان الشامل:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
ثم بدعاء يختصر حاجة الإنسان الدائمة إلى العون الإلهي.
رسالة سورة البقرة اليوم
إذا أردنا تلخيص الرسالة الكبرى لسورة البقرة، فهي دعوة إلى بناء إنسان مسؤول:
-إيمان واعٍ لا تقليد أعمى.
-عبادة تصنع التقوى لا المظاهر.
-تشريع يحمي العدالة الاجتماعية.
-طاعة تقوم على الثقة لا الجدل.
إنها سورة تبدأ بـ ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وتنتهي بالدعاء بالنصر والتمكين، وكأنها ترسم مسار الأمة من اليقين إلى القوة.
في رمضان، حين تُتلى سورة البقرة في المساجد والبيوت، ينبغي أن تُقرأ باعتبارها خارطة طريق، لا مجرد صفحات تُختم، فهي دستور حياة، ومشروع نهضة، ورسالة متجددة لكل من أراد أن يبني نفسه وأمته على أساس من الإيمان والعدل والانضباط.
مخرجات هذا المقال، إن رمضان ليس موسماً عابراً، وسورة البقرة ليست نصاً طويلاً فحسب بل هي إعلان دائم بأن الإصلاح يبدأ من القلب، ويترجم في السلوك، ويثمر حضارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى