اخبار منوعة

سورة المائدة ميثاق القيم والوفاء في المجتمع المسلم 

ذا عمرو العرباوي /مدير النشر
في سياق البناء التشريعي والأخلاقي الذي رافق تشكّل الدولة الإسلامية في المدينة، نزلت سورة المائدة لتكون من آخر ما نزل من القرآن الكريم، حاملةً معها نَفَسَ الإتمام والإكمال، ومؤكدةً أن الرسالة لم تعد مجرد دعوة روحية، بل أصبحت منظومة حياة متكاملة، فهي سورة العقود والمواثيق، وسورة الحلال والحرام، وسورة العدالة الصارمة التي لا تجامل أحداً، حتى في حال الخصومة.
أولاً: أسباب النزول سياق الإتمام والتشريع النهائي
يرى جمهور المفسرين أن سورة المائدة مدنية، ونزلت في أواخر العهد النبوي، بعد صلح الحديبية وقبيل حجة الوداع، ومن أشهر آياتها قوله تعالى:
“اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً”
وقد نزلت – كما ورد في كتب التفسير – يوم عرفة في حجة الوداع، لتعلن اكتمال البناء التشريعي للدين.
ومن أبرز أسباب النزول في السورة:
-أحكام الذبائح والطعام: نزلت آيات تفصل في الحلال والحرام، خاصة في مسألة أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما ذُبح على النُّصُب، استجابةً لأسئلة الصحابة وتنظيماً لحياة المجتمع.
-قضية أهل الكتاب: جاءت آيات تنظّم العلاقة مع اليهود والنصارى، وتبين مواضع التحريف العقدي، في ظل احتكاك مباشر معهم في المدينة.
-حدّ السرقة والقصاص: تأكيداً لقيام المجتمع على العدالة لا على المجاملة أو المحاباة.
-قصة المائدة لعيسى عليه السلام: استجابةً لطلب الحواريين آيةً تطمئن قلوبهم، فجاء التحذير من طلب الآيات على سبيل الاختبار بعد قيام الحجة.
إذن نحن أمام سورة نزلت في مرحلة استقرار الدولة، حيث لم يعد المطلوب تأسيس الإيمان فقط، بل ضبط العلاقات، وتقنين السلوك، وصيانة العهود.
ثانياً: الغاية الكبرى إقامة مجتمع العقود والعدل
تفتتح السورة بنداء صريح:
“يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود”
وهنا تكمن الرسالة المحورية: الوفاء.
الوفاء بالعهد مع الله، ومع الناس، ومع النفس.
فالغاية من السورة يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور مركزية:
1-تثبيت مبدأ الالتزام القانوني والأخلاقي
الإيمان ليس مجرد شعور قلبي، بل التزام عملي.
العبادات، المعاملات، الحدود، العلاقات الدولية… كلها عقود يجب احترامها.
2-ترسيخ العدالة ولو على حساب الذات
تقول الآية:
“ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى”
في زمن تغلب فيه العاطفة والاصطفاف، جاءت سورة المائدة لتقول: العدل فوق الكراهية، وفوق المصلحة، وفوق الانتماء.
3-تصحيح الانحراف العقدي
السورة تخاطب أهل الكتاب، وتدعوهم للرجوع إلى التوحيد الخالص، وتكشف مظاهر الغلو، خصوصاً في مسألة ألوهية المسيح عليه السلام، مؤكدة أن عيسى رسول كريم لا إله يُعبد.
ثالثاً: الرسالة الموجهة إلى الإنسان…مسؤولية الاختيار والوفاء
رسالة سورة المائدة لا تتوجه إلى المسلم فقط، بل إلى الإنسان بصفته كائناً مكلَّفاً ومسؤولاً، ويمكن إبراز معالم هذه الرسالة في النقاط التالية:
1-الحرية مقرونة بالمسؤولية
الإنسان حر في اختياره، لكنه محاسب على عهوده.
لا مجال للتلاعب بالعقود أو التحايل على القيم باسم المصلحة.
2-الإيمان عمل لا ادعاء
لا يكفي أن تقول “آمنا”، بل يجب أن تترجم ذلك إلى التزام أخلاقي وقانوني: في البيع، في الحكم، في الشهادة، في العلاقات الاجتماعية.
3-قدسية الحياة الإنسانية
قال تعالى:
“من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً”
هنا ترتقي السورة بالإنسان إلى مستوى كوني: النفس الواحدة تساوي البشرية كلها.
4-الحذر من مسار الانحدار التدريجي
تستعرض السورة تجربة بني إسرائيل، وكيف بدأ الانحراف بخطأ صغير، ثم تراكم حتى صار تمرداً، الرسالة واضحة: الانحراف لا يحدث فجأة، بل يبدأ بالتساهل.
رابعاً: بين التشريع والواقع لماذا سورة المائدة اليوم؟
في زمن تتآكل فيه الثقة، وتكثر فيه خيانات العهود، وتتضخم فيه المصالح على حساب المبادئ، تبدو سورة المائدة وثيقة أخلاقية عالمية.
هي دعوة إلى:
-دولة قانون لا دولة مزاج.
-عدالة لا تعرف الانتقائية.
-التزام ديني لا ينفصل عن السلوك المدني.
-مجتمع يحترم التعاقد، سواء كان عقد زواج أو بيع أو دستوراً وطنياً.
ولعل في افتتاحها بالأمر بالوفاء بالعقود إشارة إلى أن انهيار الأمم يبدأ من تفكك الثقة بين أفرادها.
مخرجات هذا المقال ، إذا كانت سور القرآن قد بنت الإيمان لبنة لبنة، فإن سورة المائدة جاءت لتقول: لقد اكتمل البناء، فاحفظوه بالوفاء.
هي ليست مجرد سورة أحكام، بل ميثاق حضاري يربط بين السماء والأرض، بين العبادة والسلوك، بين الإيمان والقانون.
ومن يقرأها بعين العصر، يدرك أنها لا تخاطب جيلاً مضى، بل تخاطب كل مجتمع يريد أن يبقى متماسكاً، عادلاً، وفياً لعهوده.
إنها سورة تقول للإنسان:
الإيمان مسؤولية والوفاء شرف والعدل طريق النجاة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى