اخبار منوعة

سورة النساء تشريع العدالة وبناء المجتمع على ميزان الحق

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
في البناء القرآني للأمة، تأتي سورة النساء باعتبارها إحدى السور المدنية الكبرى التي نزلت في مرحلة تأسيس الدولة في المدينة، حيث لم يعد الخطاب موجهاً إلى الضمير الفردي فحسب، بل إلى المجتمع بمؤسساته وأسرِه وعلاقاته وحقوقه وواجباته، إنها سورة العدالة الاجتماعية، وصيانة الحقوق، وبناء الأسرة، وحماية الضعفاء، وترسيخ مبدأ المسؤولية أمام الله وأمام المجتمع.
أولاً: أسباب النزول ، سياق دولة تتشكل
نزلت سورة النساء في المدينة المنورة، بعد الهجرة، في زمن كانت فيه الجماعة المسلمة تواجه تحديات داخلية وخارجية: تنظيم المجتمع الجديد، معالجة آثار الحروب، ضبط العلاقات مع المنافقين وأهل الكتاب، وإرساء قواعد العدالة في مجتمع متنوع.
ومن أبرز أسباب النزول التي ذكرتها كتب التفسير:
1-قضايا اليتامى وأكل أموالهم
جاء في مطلع السورة:
“وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ…”
وذلك بسبب انتشار استغلال أموال اليتامى من قبل بعض الأوصياء، فكان التشريع حاسماً في حماية أموالهم وحقوقهم، وربط ذلك بالتقوى والمساءلة.
2-تنظيم التعدد والعدل بين الزوجات
نزل قوله تعالى:
“فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ…”
في سياق معالجة أوضاع اجتماعية أعقبت الحروب، حيث كثر اليتامى والأرامل، فجاء التعدد مقيداً بشرط العدل، وإلا فواحدة، في رسالة واضحة أن الأصل هو العدل لا التوسع غير المنضبط.
3-آيات المواريث
شكلت نقلة نوعية في المجتمع العربي، إذ أعطت المرأة حقها في الإرث بعد أن كانت محرومة منه في الجاهلية، فنزلت الآيات تفصيلاً دقيقاً يحدد أنصبة الورثة بلا اجتهاد بشري، حمايةً للعدالة ومنعاً للنزاع.
4-قضايا المنافقين وأهل الكتاب
تناولت السورة مواقف المنافقين الذين كانوا يزعزعون الصف الداخلي، كما ناقشت تحريف بعض أهل الكتاب، مؤكدة أن معيار النجاة هو الإيمان والعمل الصالح لا الانتساب الشكلي.
ثانياً: الغاية الكبرى إقامة العدل الشامل
الغاية المركزية لسورة النساء هي إقامة مجتمع يقوم على العدل والرحمة والمسؤولية، ويتجلى ذلك في محاور كبرى:
1-العدالة الأسرية:
السورة تؤسس للأسرة باعتبارها نواة المجتمع، فتضبط الزواج، وتحدد الحقوق والواجبات، وتضع آليات علاج الخلافات، وتؤكد أن العلاقة بين الزوجين ليست علاقة تسلط بل تكامل ومسؤولية.
2-صيانة حقوق الضعفاء:
اليتامى، النساء، المستضعفون، حتى غير المسلمين في ظل الدولة الجميع لهم حقوق مصونة. العدالة هنا ليست انتقائية، بل شاملة.
3-ترسيخ مبدأ المسؤولية:
يتكرر في السورة خطاب التقوى والخشية من الله، بما يؤكد أن القانون وحده لا يكفي، بل لا بد من ضمير حي يراقب الله.
4-الطاعة المنضبطة بالشرع:
قال تعالى:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ…”
وهي قاعدة سياسية عميقة: الطاعة في إطار الشرع، والرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة، ما يعني أن الشرعية مصدرها الوحي والعدل لا الأهواء.
ثالثاً: الرسالة الربانية إلى عباد الله
إذا أردنا تلخيص الرسالة الموجهة إلى عباد الله في سورة النساء، فيمكن قراءتها في أربع رسائل مركزية:
الرسالة الأولى: الإنسان مسؤول أمام الله عن كل حق ضيّعه، المال، الأسرة، الأمانة، الحكم بين الناس كلها أمانات، ومن يخن الأمانة يخن نفسه قبل أن يخون غيره.
الرسالة الثانية: لا عدالة بلا تقوى
العدل في القرآن ليس إجراءً قانونياً فقط، بل عبادة، لذلك جاءت الأوامر مقرونة بالتقوى، لأن الضمير هو الضامن الأول لتطبيق النصوص.
الرسالة الثالثة: لا تمييز في ميزان الكرامة
السورة تقرر مبدأ المساواة في الأصل الإنساني:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ…”
وهي رسالة كونية تتجاوز الزمان والمكان: البشر جميعاً من أصل واحد، فلا مكان للاستعلاء أو الظلم.
الرسالة الرابعة: الإصلاح يبدأ من الداخل
تناولت السورة ظاهرة النفاق، لتبين أن الخطر الأكبر ليس دائماً خارجياً، بل في الازدواجية الداخلية. فالإيمان الحقيقي هو انسجام الظاهر مع الباطن.
قراءة معاصرة لماذا نحتاج سورة النساء اليوم؟
في زمن تتعالى فيه الأصوات حول حقوق المرأة، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، تبدو سورة النساء وكأنها نزلت لتخاطب واقعنا:
-حين تُهضم حقوق الضعفاء تذكّرنا السورة أن أكل أموالهم من الكبائر.
-حين يختل ميزان الأسرة تذكرنا أن العدل هو الأساس.
-حين يتفشى الفساد في مؤسسات الحكم…تؤكد أن الأمانة شرط الشرعية.
-حين يتحول الدين إلى شعارات تحذر من النفاق العملي.
مخرجات هذا المقال ، إن سورة النساء ليست مجرد نص تشريعي، بل مشروع أخلاقي وقانوني متكامل لبناء مجتمع متوازن، إنها دعوة إلى عدالة لا تُستثنى منها امرأة ولا يتيم ولا خصم سياسي، إنها إعلان أن المجتمع القوي ليس من يملك القوة، بل من يحسن توزيع الحقوق.
وفي زمن الاضطراب القيمي، تظل سورة النساء مرآةً تعكس حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد:
لا قيام لأمة بلا عدل، ولا عدل بلا تقوى، ولا تقوى بلا وعي بمسؤولية الإنسان أمام خالقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى