اخبار منوعة

“لي كال الخالص يخلّص” حكمة شعبية بمنطق العدالة المؤجلة

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

لغوياً، تفيد العبارة أن من “أكل” المال الخاص، أي المال الذي لا حق له فيه، سيأتي يوم يُجبر فيه على “التخليص”، أي الأداء والدفع والمحاسبة، غير أن المعنى في الوجدان المغربي يتجاوز البعد المادي ليأخذ بعداً أخلاقياً وقَدَرياً، مفاده أن الظلم لا يدوم، وأن المال العام ليس غنيمة بلا ثمن، بل دين ثقيل يُلاحق صاحبه عاجلاً أو آجلاً.

في السياق الشعبي، لا يُقصد بـ“التخليص” دائماً المحاسبة القانونية المباشرة، بل قد يكون على شكل سقوط اجتماعي، أو فضيحة، أو مرض، أو ضياع الأبناء، أو نهاية مأساوية غير متوقعة، وكأن الوعي الجماعي المغربي يقول بوضوح: من أفلت من عدالة الأرض، فلن يفلت من عدالة السماء أو من منطق التاريخ.

المال العام في الخيال المغربي: خط أحمر أخلاقي

تُستعمل هذه العبارة غالباً في الحديث عن المسؤولين، والمنتخبين، وكل من وُضع في موقع تدبير الشأن العام ثم خان الأمانة. فالمال العام في الثقافة المغربية ليس مجرد أرقام في الميزانية، بل هو “عرق الناس”، و”حق اليتامى”، و”قوت الفقراء”. لذلك فإن الاعتداء عليه يُنظر إليه كجريمة مضاعفة: قانونية وأخلاقية في آن واحد.

وحين يردّد المغاربة “لي كال الخالص يخلّص”، فهم لا يعبّرون فقط عن غضبهم، بل عن قناعة راسخة بأن الاستغلال والنهب لا يمكن أن يكونا نهاية القصة، مهما طال الزمن أو تبدلت الوجوه.

بين الصبر الشعبي وفقدان الثقة

تحمل العبارة أيضاً بعداً نفسياً يعكس حالة من الصبر المشوب بالمرارة، فهي تُقال أحياناً كنوع من التعزية الجماعية في ظل تأخر المحاسبة، وكأن المجتمع يعوّض غياب العدالة الآنية بإيمان عميق بعدالة مؤجلة، غير أن هذا الإيمان لا يخلو من دلالة مقلقة، إذ يكشف في الآن ذاته عن تراجع الثقة في المسارات الرسمية للمساءلة، واعتماد الناس على “الجزاء الغيبي” بدل الجزاء المؤسساتي.

ومع ذلك، تبقى العبارة بمثابة ضغط أخلاقي دائم على كل من تسوّل له نفسه العبث بالمال العام، لأنها تضعه في مواجهة مصير مفتوح على كل الاحتمالات.

رسالة المثل: لا إفلات من العاقبة

في جوهرها، تُلخص “لي كال الخالص يخلّص” رؤية شعبية للعدالة تقوم على مبدأ بسيط: لا ربح بلا حساب، ولا ظلم بلا ثمن، وهي رسالة واضحة بأن المناصب زائلة، والنفوذ مؤقت، بينما تبقى الأمانة ثقيلة، وعاقبة الخيانة أشد ثقلاً.

مخرجات هذا المقال، يمكن القول ان هذه العبارة قد تتحول من مجرد قول دارج إلى محكمة رمزية ينصبها المجتمع في وجه كل من خان الثقة، لتقول له بلغة الشعب: قد تتأخر النهاية، لكنك ستصل إليها والتخليص آتٍ لا محالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى