اخبار منوعة

من ثقافة العقاب إلى فلسفة التأهيل: قراءة مفصلة في نظام “التخفيض التلقائي للعقوبة” ضمن قانون المسطرة الجنائية الجديد بالمغرب

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

في خطوة تشريعية وُصفت بالجوهرية، شهدت المنظومة القانونية المغربية تحولاً عميقاً مع إقرار مشروع القانون رقم 03.23 بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، ولعل من أبرز المفاجآت والمستجدات التي حملها هذا النص، والتي أثارت نقاشاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والقانونية، إرساء آلية “التخفيض التلقائي للعقوبة”.

فما هي حقيقة هذا الإجراء؟ وكيف يمكن تفسير هذا التوجه الجديد في السياسة الجنائية المغربية وتقييمه؟

أولاً: ما حقيقة “التخفيض التلقائي للعقوبة”؟

خلافاً لما قد يوحي به مصطلح “التلقائي” للوهلة الأولى من أنه تخفيض مجاني أو غير مشروط، فإن الحقيقة القانونية لهذا النظام تضعه في خانة “الاستحقاق المشروط”.
في السابق، كان السجين في المغرب يعتمد بشكل شبه كلي على آلية “العفو الملكي” أو “الإفراج المقيد بشروط” لتقليص مدة محكوميته، أما اليوم، فإن المشرع المغربي من خلال المسطرة الجنائية الجديدة، استحدث نظاماً يتيح تخفيض العقوبة السجنية بقوة القانون متى توفرت شروط موضوعية محددة، وتتجسد حقيقة هذا النظام في النقاط التالية:

-معايير الاستحقاق: يرتبط التخفيض
بسلوك السجين داخل المؤسسة السجنية؛ حيث يُكافأ المحكوم عليه الذي يظهر انضباطاً وحسن سير وسلوك، وينخرط بشكل إيجابي وفعال في برامج التأهيل، وإعادة الإدماج، ومحو الأمية، أو يحصل على شواهد تعليمية وتكوينية مهنية أثناء فترة اعتقاله.
-المأسسة والرقابة: لا يخضع هذا التخفيض للمزاجية، بل يتم عبر لجان مختصة داخل المؤسسات السجنية، وتحت إشراف مباشر من قاضي تطبيق العقوبات الذي تم توسيع صلاحياته بشكل كبير في هذا المشروع ليصبح فاعلاً أساسياً في تفريد العقوبة وتنفيذها.

ثانياً: كيف نُفسر هذا التوجه المبتكر؟

إن إقرار نظام التخفيض التلقائي للعقوبة لم يأتِ من فراغ، بل هو استجابة حتمية لتقاطعات دستورية، وحقوقية، وواقعية، يمكن تفسيرها عبر ثلاثة مسارات:

-أنسنة السياسة الجنائية: يعكس هذا التوجه انتقالاً من “العدالة الانتقامية” التي ترى في السجن مجرد أداة للعزل والإيلام، إلى “العدالة التأهيلية” (الإصلاحية) التي تهدف إلى تقويم سلوك الجانح وإعادة إدماجه في المجتمع.

-معالجة أزمة الاكتظاظ السجني: تعاني السجون المغربية من معدلات اكتظاظ قياسية تستنزف ميزانية الدولة وتعيق أي برامج حقيقية للإصلاح، التخفيض التلقائي، إلى جانب تفعيل العقوبات البديلة وترشيد الاعتقال الاحتياطي، يُعد صمام أمان لتخفيف الضغط على المؤسسات السجنية.

-الملاءمة مع المواثيق الدولية: يأتي هذا التعديل استجابة لتوصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان وهيئة الإنصاف والمصالحة، وتماشياً مع قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا)، التي تلزم الدول بخلق حوافز للسجناء لتشجيعهم على الانضباط.

ثالثاً: تقييم شامل ودقيق للمشروع (الفرص والتحديات)
لتقييم هذا التوجه بموضوعية ومهنية، يجب وضع مكاسبه في كفة، والمخاطر المحتملة لتطبيقه في الكفة الأخرى:
1-الإيجابيات والمكاسب (فرص النظام):

-خلق حافز نفسي قوي: يمنح هذا النظام السجين أملاً حقيقياً وأفقاً واضحاً؛ فبمجرد علمه أن تحسين سلوكه سيؤدي رياضياً وقانونياً إلى تقليص مدة سجنه، فإنه سيميل بطبعه إلى الانضباط وتجنب العود.

-الحد من حالات العود للجريمة: السجين الذي يقضي وقته في تعلم حرفة أو نيل شهادة دراسية للحصول على التخفيض، سيخرج للمجتمع بأدوات تساعده على الاندماج في سوق الشغل، مما يقلل من احتمالية عودته للجريمة.

-تعزيز الرقابة القضائية: إعطاء الكلمة الفصل لقاضي تطبيق العقوبات يضمن بقاء العقوبة تحت المظلة القضائية حتى في مرحلة التنفيذ، مما يحد من المقاربة الأمنية الصرفة داخل السجون.

2-المخاطر والتحديات (نقاط الحذر):

-خطر السلطوية والمحسوبية: التحدي الأكبر يكمن في “كيفية قياس حسن السلوك”. إذا لم تكن المعايير شفافة ورقمية ودقيقة، قد يتحول هذا النظام إلى باب خلفي للزبونية والرشوة، حيث يستفيد منه سجناء النفوذ والمال، بينما يُحرم منه السجناء البسطاء.

-ردود فعل الضحايا والمجتمع: التخفيض التلقائي لعقوبات جرائم خطيرة (مثل القتل العمد، أو الاغتصاب، أو نهب المال العام) قد يولد شعوراً بالإفلات من العقاب لدى الضحايا، لذا، من الضروري أن يستثني المشرع الجرائم البالغة الخطورة من هذا النظام، أو يضع لها شروطاً أكثر صرامة.

-البنية التحتية السجنية: نجاح هذا النظام يفترض وجود برامج تكوين حرفي، وتعليم، وتأهيل نفسي داخل السجون. وفي ظل ضعف الموارد البشرية واللوجستية في بعض المؤسسات السجنية، قد يجد السجين نفسه غير قادر على الانخراط في البرامج (لعدم توفرها) وبالتالي يُحرم من التخفيض لسبب خارج عن إرادته.

مخرجات هذا المقال ، إن إقرار نظام التخفيض التلقائي للعقوبة في قانون المسطرة الجنائية المغربي الجديد هو قرار شجاع وثورة هادئة في فلسفة العقاب، يضع المغرب في مصاف الدول المتبنية للعدالة الإصلاحية الحديثة، غير أن العبرة، كما هو الحال في كل النصوص القانونية الطموحة، تكمن في التنزيل السليم.
لنجاح هذه الآلية، لا بد من إرساء حكامة صارمة في تقييم سلوك السجناء، وتوفير الميزانيات الكافية لبرامج التأهيل داخل السجون، مع ضمان استقلالية وحياد اللجان المكلفة، حتى لا يتحول مسار “أنسنة العقوبة” إلى ثغرة تفرغ الأحكام القضائية من محتواها الرادع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى