اخبار منوعة
نحو إنقاذ الثقة السياسية في المغرب: هل تكفي مدونة أخلاق انتخابية صارمة لإصلاح المنظومة الحزبية؟

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يعود النقاش بقوة حول أزمة الثقة التي تخيم على العلاقة بين المواطن المغربي والحياة السياسية، أزمة لم تعد مجرد انطباع عابر، بل تحولت إلى واقع تؤكده نسب العزوف الانتخابي، وتغذيه ممارسات سياسية أفرغت العملية الديمقراطية من مضمونها، وجعلت الانتخابات في نظر فئات واسعة مجرد موسم لتجديد النخب، لا لتجديد الأمل.
في هذا السياق، يطرح سؤال جوهري: هل يمكن لمدونة أخلاق انتخابية صارمة ونافذة أن تعيد التوازن إلى المشهد السياسي، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها النزاهة والعدالة الانتخابية؟
أزمة المنظومة الحزبية: من التمثيل إلى التموقع
لقد شهدت السنوات الأخيرة سقوط عدد من المنتخبين تحت طائلة المحاسبة، في قضايا تتعلق بهدر المال العام، والتزوير، واستغلال النفوذ، هذا الواقع لم يأت من فراغ، بل يعكس اختلالات بنيوية داخل المنظومة الحزبية، أبرزها:
-غياب الديمقراطية الداخلية في منح التزكيات
-تغليب الولاءات والقدرات المالية على الكفاءة والنزاهة.
-ضعف التأطير السياسي والإيديولوجي للأحزاب.
-تحول بعض الاستحقاقات إلى ساحة “الصيد في الماء العكر”.
وهنا، يصبح الحديث عن إصلاح سياسي حقيقي مرهونًا بإعادة الاعتبار للأخلاق في الممارسة الانتخابية، لا فقط بالقوانين التنظيمية.
مدونة أخلاق انتخابية: بين النص والتفعيل
إن فكرة إقرار مدونة أخلاق انتخابية ليست جديدة، لكنها تظل محدودة الأثر ما لم تقترن بإرادة سياسية قوية وآليات تنفيذ صارمة، فالمدونة المنشودة يجب أن تقوم على مبادئ واضحة، من بينها:
-النزاهة والشفافية في التمويل الانتخابي.
-تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين.
-منع توظيف المال والنفوذ في التأثير على إرادة الناخب.
-ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فوري وفعّال.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة هذه المبادئ، بل في تحويلها إلى قواعد ملزمة، تطبق دون استثناء، وتخضع لرقابة مستقلة.
التزكية: بوابة الإصلاح أو مدخل الفساد
تُعد مسطرة منح التزكيات داخل الأحزاب نقطة مفصلية في العملية الانتخابية، فإذا صلحت، صلح جزء كبير من المشهد السياسي، وإذا فسدت، أفرزت نخبًا تفتقر إلى الشرعية الأخلاقية.
ولذلك، فإن إصلاح هذه المرحلة يقتضي:
-اعتماد معايير واضحة: الكفاءة العلمية، التجربة المهنية، النزاهة.
-إشراك القواعد الحزبية في اختيار المرشحين.
-إخضاع التزكيات لمراقبة داخلية وخارجية.
-تجريم “بيع التزكيات” أو ربطها بالمصالح الشخصية.
بهذا، تتحول التزكية من امتياز سياسي إلى تكليف مجتمعي قائم على الجدارة.
صرامة العقوبات: من الردع إلى الاستئصال
لا يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة دون نظام عقابي صارم يردع المخالفين، فالتجربة أثبتت أن بعض الفاعلين لا يترددون في خرق القانون ما دام الإفلات من العقاب ممكنًا.
وعليه، فإن الإصلاح يمر عبر:
-تسريع وتيرة البت في الجرائم الانتخابية.
-إقرار عقوبات رادعة تشمل العزل والمنع من الترشح.
-تتبع مصادر التمويل بشكل دقيق.
-تفعيل دور القضاء والهيئات الرقابية باستقلالية تامة.
الهدف هنا ليس فقط المعاقبة، بل حماية العملية الديمقراطية من التلاعب.
المساواة الانتخابية: شرط الشرعية الديمقراطية
إن تحقيق العدالة الانتخابية يمر حتمًا عبر ضمان تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين، بعيدًا عن هيمنة المال أو النفوذ أو التغطية الإعلامية غير المتوازنة.
ويتطلب ذلك:
-ضبط الحملات الانتخابية وتحديد سقف الإنفاق.
-ضمان ولوج عادل إلى وسائل الإعلام.
-مراقبة استعمال الفضاءات العمومية.
حماية الناخب من الضغوط والإغراءات.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بنتائج الانتخابات، بل بنزاهة شروطها.
إعادة بناء الثقة: مسؤولية مشتركة
يبقى الرهان الأكبر هو استعادة ثقة المواطن، وهي مهمة لا تتحقق فقط عبر القوانين، بل عبر تغيير الثقافة السياسية نفسها.
فالإصلاح الحقيقي يقتضي:
-وعيًا مجتمعيًا يرفض شراء الأصوات.
-دورًا فاعلًا للإعلام في كشف التجاوزات.
-انخراط المجتمع المدني في المراقبة.
-تجديد النخب السياسية على أسس الكفاءة والنزاهة.
مخرجات هذا المقال، إن مدونة أخلاق انتخابية صارمة يمكن أن تشكل خطوة مهمة نحو إصلاح المنظومة الحزبية، لكنها لن تكون كافية لوحدها. فالإصلاح يتطلب رؤية شمولية تعيد الاعتبار للعمل السياسي كخدمة عمومية، لا كوسيلة للاغتناء أو التموقع.
المغرب اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء تعاقد سياسي جديد، يقوم على الثقة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص، فإما أن تتحول انتخابات 2026 إلى محطة للإصلاح، أو أن تكرس مزيدًا من العزوف وفقدان الثقة.
والرهان، في نهاية المطاف، ليس فقط على القوانين، بل على الإرادة وعلى المواطن نفسه.



