اخبار منوعة
يقال من يمارس السياسة هو أجبن الناس : حين تتحول السلطة إلى ملاذ آمن للخوف

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
قد تبدو مقولة «من يمارس السياسة هو أجبن الناس» قاسية، بل مستفزة، لكنها في عمقها ليست شتيمة مجانية، وإنما تشريح جريء لواقع سياسي مأزوم، حيث أصبح الجبن فضيلة غير معلنة، والصمت استراتيجية، والتراجع عن المواقف ذكاءً سياسياً يُكافأ عليه.
إنها مقولة لا تستهدف السياسة كفكرة، بل تدين الممارسة السياسية حين تفقد شجاعتها وتتحول إلى لعبة تفادي المخاطر بدل تحمل المسؤوليات.
الجبن السياسي: الخوف المقنّع بالدهاء
السياسي الجبان ليس من يخشى الخطر الجسدي، بل من يرتعد أمام الحقيقة، وهو من يرى الاختلالات البنيوية ولا يجرؤ على تسميتها، ويشاهد معاناة المواطنين لكنه يختبئ خلف لغة خشبية وبلاغة فارغة،
وهو من يفضل “السلامة السياسية” على الصدق، و”المنصب” على الموقف، و”التحالفات المريحة” على الانحياز للناس.
في هذا النموذج، يصبح الجبن سلوكاً ممنهجاً:
-جُبن في مواجهة الفساد.
-جُبن في اتخاذ القرار غير الشعبي.
-جُبن في تحمل كلفة الإصلاح.
-وجُبن في الاعتراف بالفشل.
سياسة بلا شجاعة ديمقراطية بلا روح
حين تغيب الشجاعة عن السياسة، تتحول الديمقراطية إلى واجهة شكلية، فالانتخابات تُجرى، والخطابات تُلقى، والوعود تُوزَّع، لكن الإرادة السياسية غائبة.
السياسي الجبان لا يصنع تغييراً، بل يُدير الأزمة، لا يُصلح الخلل، بل يُؤجله، ولا يقود المجتمع، بل يسايره حتى الهاوية.
وهنا تكمن الخطورة:
الجبن السياسي لا يدمّر الحاضر فقط، بل يسرق المستقبل.
في السياق المغربي: جرأة ناقصة أم خوف محسوب؟
في المغرب، ورغم وضوح الرهانات التنموية الكبرى، لا يزال جزء من الطبقة السياسية يمارس نوعاً من الحياد الجبان: لا مع الإصلاح الجذري ولا ضده، لا مع المواطن ولا ضده، فقط في المنطقة الرمادية الآمنة.
المواطن المغربي اليوم لم يعد يطالب بالمعجزات، بل بالصدق. لكنه يصطدم بسياسيين:
-يتحدثون عن القرب وهم بعيدون.
-يتغنون بالإصلاح وهم أول من يعرقله.
-يرفعون شعار المسؤولية وهم آخر من يتحملها.
السياسي أم رجل الدولة؟
السياسي الجبان يفكر: كيف أنجو؟
رجل الدولة يفكر: كيف أنقذ؟
الأول تحكمه الحسابات، والثاني تحكمه القيم.
الأول يخشى خسارة الكرسي، والثاني لا يخشى خسارة الشعبية إذا كان الثمن هو المصلحة العامة.
ومن هنا، فالمقولة لا تُدين كل من يمارس السياسة، بل تفضح من اختار الجبن طريقاً للسلطة.
مخرجات هذا المقال ، ليست السياسة مهنة الجبناء، لكن كثيراً من الجبناء وجدوا في السياسة مهنة.
وحين تتحول السلطة إلى درع للاختباء، والمنصب إلى وسيلة للهروب من الحقيقة، يصبح الجبن هو القاسم المشترك بين عدد غير قليل من الفاعلين السياسيين.
إن أخطر ما يهدد أي وطن ليس المعارضة، ولا الاحتجاج، ولا النقد ، بل سياسيون بلا شجاعة.



