اخبار منوعة

ترشيد الحياة السياسية: مدخل لبناء ديمقراطية حقيقية ومسؤولة

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر

تُعدّ الحياة السياسية السليمة مرآةً تعكس نضج المجتمعات واستقرارها، كما تمثل أحد الأعمدة الأساسية لأي مشروع تنموي يروم العدالة والازدهار، غير أن هذا الهدف لا يتحقق إلا بترشيد الحياة السياسية وضبط ممارساتها ضمن مقومات واضحة تؤسس لديمقراطية فاعلة ومسؤولة، تجعل من المواطن شريكًا حقيقيًا في القرار، ومن المؤسسات فضاءات للإنتاج والإصلاح لا لمجرد الصراع على المناصب أو المصالح الضيقة.

أولا : ترسيخ ثقافة المواطنة والمسؤولية

إن أول مقومات ترشيد الحياة السياسية يبدأ من المواطن نفسه، فكل ممارسة سياسية ناضجة تنبع من وعي المواطن بحقوقه وواجباته، وإدراكه أن صوته في الانتخابات ليس سلعة تُباع، بل أمانة تُمنح لمن يملك الكفاءة والنزاهة لخدمة الشأن العام.
فترسيخ ثقافة المواطنة يتطلب تنشئة تربوية وإعلامية تزرع قيم المشاركة والشفافية، وتشجع على النقد البناء بدل العزوف أو السلبية، لأن المواطن الواعي هو حجر الزاوية في أي إصلاح سياسي حقيقي.

ثانيا : تخليق العمل الحزبي وربط الممارسة السياسية بالأخلاق

لا يمكن ترشيد الحياة السياسية في غياب أحزاب قوية، منفتحة، وديمقراطية داخليًا. فالأحزاب هي المدرسة التي تُكوِّن النخب وتؤطر المواطنين، لكن حين تتحول إلى فضاءات لتوزيع المصالح أو تكريس الولاءات، تفقد دورها وتُفرغ السياسة من مضمونها.
لذلك، فإن تخليق العمل الحزبي يتطلب الشفافية في التسيير، والتداول على المسؤولية، وتغليب الكفاءة على الزبونية، حتى تستعيد الأحزاب ثقة المواطنين وتؤدي رسالتها الدستورية في التأطير والمشاركة.

ثالثا : تعزيز دولة القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة

ترشيد الحياة السياسية لا يكتمل إلا في ظل دولة القانون التي تُطبّق مبادئ العدل والمساءلة على الجميع دون استثناء، فربط المسؤولية بالمحاسبة هو الضمانة الأساسية لقطع الطريق أمام الفساد واستغلال النفوذ.
كما أن استقلال القضاء وتفعيل أجهزة الرقابة المالية والإدارية يُعدّان عنصرين أساسيين لضمان الشفافية في تدبير الشأن العام، وإعطاء الإشارات بأن الدولة جادة في محاربة كل مظاهر الانحراف السياسي والإداري.

رابعا : تجديد النخب وإدماج الكفاءات

من مظاهر اختلال الحياة السياسية في العديد من البلدان العربية، استمرار نفس الوجوه في مواقع القرار لعقود طويلة، هذا الجمود يُفقد السياسة روحها ويُضعف ثقة الشباب في العمل العام.
ومن ثَمَّ، فإن تجديد النخب وإدماج الكفاءات الشابة والمتعلمة في الحقول السياسية والإدارية يُعد شرطًا أساسيًا لتجديد الدماء في المؤسسات وإغناء النقاش العمومي بأفكار مبتكرة ورؤى حديثة.

خامسا : إعلام مهني ومستقل في خدمة الوعي السياسي

الإعلام بدوره فاعل استراتيجي في ترشيد الحياة السياسية، إذ يساهم في تكوين الرأي العام ومراقبة الأداء الحكومي والحزبي.
ولتحقيق هذا الدور، يجب أن يتحرر الإعلام من التبعية الحزبية أو المصالح الضيقة، وأن يلتزم بأخلاقيات المهنة القائمة على التحري والدقة والموضوعية، لأنه من غير إعلام حر ومسؤول، لا يمكن بناء حياة سياسية شفافة ومستنيرة.

سادسا : ربط السياسة بالتنمية والمصلحة العامة

السياسة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لخدمة الإنسان والوطن.
وعندما تنفصل الممارسة السياسية عن الهمّ التنموي والاجتماعي، تتحول إلى صراع حول المناصب بدل التنافس حول المشاريع.
لذلك، فإن ترشيد السياسة يقتضي جعل البرامج التنموية، ومحاربة الفوارق، وتحسين الخدمات العمومية في صلب الأجندة السياسية، حتى يشعر المواطن بجدوى الفعل السياسي في حياته اليومية.

مخرجات هذا المقال، إن ترشيد الحياة السياسية ليس شعارًا نظريًا، بل هو مسار إصلاحي متكامل يبدأ من الوعي وينتهي بالإرادة السياسية الصادقة.
إن بناء مشهد سياسي نزيه وفعّال يستوجب تضافر جهود المواطن، والحزب، والإعلام، والدولة، من أجل ترسيخ قيم الديمقراطية الحقيقية التي تجعل من السياسة خدمةً للصالح العام لا وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية.
فحين تُخْلَق السياسة وتُرْشَد الممارسة، يُبنى الوطن على أسس من الثقة والمصداقية، وتصبح الديمقراطية واقعًا لا مجرد شعار .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى