اخبار منوعة

ارتفاع الطلاق والعنوسة في المغرب… أزمة صامتة تهدد استقرار المجتمع

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
تشهد الأسرة المغربية خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة وغير مسبوقة، تكشف عنها أرقام رسمية مثيرة للقلق: ارتفاع مطّرد في حالات الطلاق، وتوسّع دائرة العنوسة بين فئات واسعة من الشباب، هذه الظاهرتان، اللتان كانتا في السابق حالات استثنائية، أصبحتا اليوم منحنى اجتماعيًا متسارعًا يُنذر بإعادة تشكيل البنية الأسرية والديموغرافية بالمغرب، ويستدعي قراءة دقيقة للأسباب واستشرافًا للحلول الممكنة.
الإحصائيات ،مؤشرات خطيرة على تحوّل أسري عميق:
تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن نسبة النساء غير المتزوجات فوق 15 سنة بلغت 40.7%، بينما ارتفع عدد الذكور غير المتزوجين إلى 28.3%، وهي نسب غير مسبوقة في التاريخ الاجتماعي الحديث للمغرب.
كما سجّل المغرب أكثر من 65 ألف حالة طلاق خلال سنة 2024، أغلبها في شكل طلاق بالتراضي، الذي يمثل اليوم نحو 89% من إجمالي حالات الطلاق، وهو تحول نوعي في شكل إنهاء العلاقة الزوجية.
الأخطر أن نسبة النساء اللواتي بلغن الخمسين دون زواج ارتفعت من 3.9% سنة 2004 إلى 11.1% سنة 2024، ما يعكس تغيّرًا في نمط حياة جزء من المجتمع، وفي قدرة مؤسسة الزواج على الاستمرارية في ظل التحولات الاقتصادية والثقافية.
أسباب الظاهرة ، عوامل متداخلة تعيد تشكيل مفاهيم الزواج:
1-التحولات الاقتصادية وضغط المعيشة:
ارتفاع تكاليف السكن، متطلبات العيش، والبطالة بين الشباب جعلت القدرة على تأسيس أسرة أمرًا صعبًا، كثيرون يؤجلون الزواج، وكثير من الأسر تتفكك بسبب التوترات المالية.
2-تغير القيم الاجتماعية وصعود الفردانية:
تأثر الشباب بالثقافة الرقمية والعولمة جعل توقعاتهم حول الزواج مرتفعة، وأحيانًا غير واقعية، لم يعد الزواج ضرورة اجتماعية كما في الماضي، بل خيارًا مؤجلًا، مشروطًا بنجاح مهني واستقرار مالي.
3-تمكين المرأة واستقلاليتها الاقتصادية:
النساء اليوم أكثر تعليمًا وانخراطًا في سوق العمل، وأكثر وعيًا بحقوقهن، هذا الاستقلال يجعل البعض منهن أقل استعدادًا للبقاء في زواج غير متوازن أو غير منصف.
4-محدودية آليات الوساطة الأسرية:
غياب منظومة مؤسساتية فعّالة للوساطة والمصالحة يؤدي إلى انتقال الخلافات سريعًا إلى القضاء، خصوصًا في ظل انتشار طلاق الشقاق والطلاق بالتراضي.
5-إشكالات في تطبيق بعض مقتضيات مدونة الأسرة:
رغم المكاسب التي حققتها المدونة، فإن تطبيق بعض موادها بقي غير مُفعّل بالشكل الكافي، بينما أصبحت مسطرة الطلاق في بعض الحالات أسرع من إجراءات المصالحة أو الدعم النفسي.
الانعكاسات الاجتماعية تهديد يطال بنية المجتمع:
•أسر مفككة وأطفال يعيشون بين والدين منفصلين، ما يؤثر على توازنهم النفسي.
•ارتفاع عدد الأسر التي تعيلها نساء، ما يفرض تحديات اقتصادية إضافية.
•تراجع الارتباط الاجتماعي وتنامي “العزلة المعيشية”.
•خطر ديموغرافي: تراجع الزواج يؤدي إلى انخفاض الخصوبة وتغيّر الهرم السكاني في المستقبل.
الحلول ،رؤية شمولية لحماية الأسرة المغربية:
1-تعزيز مراكز الوساطة الأسرية:
ضرورة إرساء مراكز مصالحة فعّالة في المحاكم والمجالس المحلية، تتدخل قبل الوصول إلى الطلاق.
2-إدماج التربية على الحياة الزوجية في المناهج:
من خلال برامج مدرسية وجامعية تشرح أساسيات التواصل، إدارة الخلاف، المسؤوليات الأسرية، والوعي الاقتصادي.
3-دعم الشباب اقتصاديًا
•برامج سكن ميسر للأزواج الجدد.
•قروض صغيرة بدون فوائد لتخفيف تكاليف الزواج.
•دعم التشغيل والاستقرار المالي.
4-مراجعة مدونة الأسرة:
إعادة صياغة أو تفعيل بعض المقتضيات، بهدف الحفاظ على التوازن بين ضمان الحقوق وحماية استقرار الأسرة.
5-دعم نفسي واجتماعي للمطلقين والأطفال:
إنشاء منصات استماع واستشارة لمرافقة الأسر في لحظات التوتر، والحد من الأثر النفسي للطلاق.
مخرجات هذا المقال، إن ارتفاع نسب الطلاق والعنوسة في المغرب ليس مجرد أرقام تتصدر عناوين التقارير، بل هو تحدٍّ اجتماعي عميق يفرض مراجعة شاملة لسياسات الأسرة، ويستوجب مبادرات عملية تعيد للزواج مكانته كفضاء للاستقرار والتوازن.
المغرب اليوم على أعتاب مرحلة جديدة في مسار الأسرة، وإدراك خطورة هذا المنعطف هو خطوة أولى نحو بناء مجتمع أكثر انسجامًا وتماسكًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى