القاضي لا يُشكر على قضاءٍ قضاه بل يُنتظر منه العدل كحقٍّ لا كمنّة

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
تختزل عبارة «القاضي لا يُشكر على قضاءٍ قضاه، ولكن أملاً في عدلٍ ننشده كحظٍّ وحق» فلسفة عميقة في فهم العدالة ودور القضاء داخل الدولة الحديثة، فهي لا تنطلق من التقليل من قيمة القاضي أو من جهده، بل تؤسس لمبدأ أسمى مفاده أن العدل ليس فضلاً يمنحه القاضي، وإنما واجب دستوري وأخلاقي تمليه الوظيفة القضائية ذاتها.
العدالة ليست منّة بل التزام
تؤكد هذه العبارة أن القضاء، في جوهره، ليس مجالاً للتفضل أو الإحسان، بل مؤسسة تضطلع بمهمة حماية الحقوق وصون الحريات وتكريس سيادة القانون، فحين يحكم القاضي بالعدل، فإنه لا يقوم بعمل استثنائي يستوجب الشكر، بل يؤدي وظيفة أُنيطت به بموجب القانون، وأقسم على احترامها وتحقيقها.
ومن هذا المنطلق، يصبح شكر القاضي على حكم عادل شبيهاً بشكر الطبيب على تشخيص صحيح، أو شكر رجل الإطفاء على إخماد حريق؛ فالأمر يتعلق بواجب مهني وأخلاقي قبل أن يكون عملاً بطولياً.
القاضي بين السلطة والمسؤولية
تُبرز العبارة أيضاً أن سلطة القاضي ليست امتيازاً شخصياً، بل أمانة ثقيلة، وأن استقلاله لا يعني انفصاله عن المجتمع، بل ارتباطه العميق بتطلعاته في الإنصاف والطمأنينة القضائية، فالقاضي، وهو يفصل في النزاعات، لا يُشبع رغبة طرف ولا يرضخ لضغط، بل يُجسّد صوت القانون وروحه.
ومن هنا، فإن العدالة المنشودة ليست رهينة مزاج أو قناعة فردية، بل حق أصيل لكل متقاضٍ، وحظ مشروع لكل من يلج باب القضاء، بغضّ النظر عن موقعه الاجتماعي أو قدرته المادية أو نفوذه.
أمل المجتمع في قضاء منصف
تحمل العبارة بعداً مجتمعياً عميقاً، إذ تعكس تطلع المواطنين إلى قضاء عادل لا يطلبون منه إحساناً ولا ينتظرون مكافأة، بل يأملون فقط أن يكون ملاذهم الآمن حين تُغلق كل الأبواب الأخرى. فالقضاء العادل هو آخر حصن للثقة في الدولة، وأي خلل فيه ينعكس مباشرة على الإحساس بالإنصاف والانتماء.
بين الاحترام والتقديس
لا تنفي العبارة واجب احترام القضاة وتقدير مكانتهم، لكنها في المقابل ترفض تحويل العدالة إلى فعل استثنائي يُقابل بالتصفيق، لأن في ذلك خطراً على مبدأ المساواة، وكأن العدل خيار وليس قاعدة، فالقاضي يُحترم لمنصبه واستقامته، لا لأنه طبق القانون كما ينبغي.
مخرجات هذا المقال ، إن عبارة «القاضي لا يُشكر على قضاءٍ قضاه، ولكن أملاً في عدل ننشده كحظ وحق» ليست انتقاداً للقضاء، بل مديحاً مشروطاً بالاستقامة، ورسالة واضحة مفادها أن العدالة أساس الحكم، وأن القاضي حين يعدل إنما يفي بدَينه تجاه المجتمع والدولة.
فالعدل ليس هدية، ولا امتيازاً، ولا مناسبة للاحتفاء، بل حق ثابت، وركيزة دولة القانون، ومصدر الطمأنينة لكل من يلتمس الإنصاف تحت سقف القضاء.



