اخبار منوعة

«عرس الديب» حين تلتقي المتناقضات في الخيال الشعبي المغربي

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

علميًا، يُفسَّر هذا المشهد بتساقط الأمطار من سحب بعيدة في الوقت الذي لا تكون فيه السماء ملبدة فوق المنطقة نفسها، ما يسمح لأشعة الشمس بالظهور، غير أن المخيال الشعبي المغربي لم يكتفِ بالتفسير العلمي، بل ألبس الظاهرة بعدًا رمزيًا، فجاءت تسمية «عرس الديب» لتُعبّر عن حدث غير مألوف، يجمع بين عنصرين يُفترض تناقضهما: المطر والشمس.

الدّيب في الثقافة الشعبية

يحتل الذئب (الديب) مكانة خاصة في الثقافة الشفوية المغربية؛ فهو رمز الدهاء، والغموض، والمكر، والعيش على هامش القطيع. وغالبًا ما يُستدعى في الحكايات الشعبية للدلالة على ما هو خارج عن المألوف أو ما يحدث على خلاف القاعدة. ومن هذا المنطلق، فإن إسناد “العرس” إلى الديب ليس بريئًا لغويًا، بل يُحيل إلى حدث استثنائي وغير منطقي في نظر الحسّ العام.

العرس الفرح في سياق المفارقة

العرس في الوعي الجمعي مناسبة للفرح والاحتفال والانسجام، وعندما يُربط هذا المعنى بالديب، تنشأ مفارقة دلالية: فرح غير متوقَّع، في سياق غير معتاد، وفي زمن غير مناسب، وهكذا يصبح “عرس الديب” تعبيرًا عن اختلال مؤقت في النظام الطبيعي للأشياء، أو عن لحظة تختلط فيها العلامات ولا تخضع للمنطق اليومي.

بين الاعتقاد الشعبي والوظيفة الرمزية

في بعض المناطق، ارتبطت المقولة قديمًا بتصورات خرافية أو إشارات تشاؤمية، بينما اعتبرها آخرون بشارة خير أو علامة على الخصوبة والتجدد، غير أن القراءة الحديثة تميل إلى اعتبارها أداة لغوية رمزية أكثر من كونها اعتقادًا فعليًا، تُستعمل لتوصيف مشهد نادر بأسلوب ساخر وذكي، يعكس ثراء اللسان الشعبي وقدرته على تحويل الظواهر الطبيعية إلى حكايات قصيرة ذات مغزى.

التعبير الشعبي كمرآة للهوية

إن مقولة “عرس الديب” ليست مجرد وصف لحالة جوية، بل هي شاهد على عبقرية التعبير الشعبي المغربي، الذي يمزج بين الطبيعة والخيال، وبين الواقع والأسطورة، ليصنع لغة قريبة من الناس ومعبّرة عن نظرتهم للعالم، فهي تعكس كيف يحاول الإنسان تبسيط المعقد، وتفسير الغامض، وإضفاء معنى على ما يفلت من التفسير المباشر.

لا يوجد شخص أو قبيلة محددة في المغرب أطلقت اسم «عرس الذيب» تحديدًا، بل هو تعبير شعبي عامي له جذور في الموروث الثقافي الشعبي المغربي ، ويُستخدم لوصف ظاهرة طبيعية معينة وليس لقبًا صريحًا لشخص أو قبيلة بعينها.

أصله ومعناه الشائع:

-«عرس الذيب» في الثقافة الشعبية الدارجة يُستخدم لوصف اليوم الذي تتساقط فيه الأمطار بينما تكون الشمس مشرقة في نفس الوقت — وهو ما نسميه بالعربية الفصحى قوس قزح الذي يظهر في السماء.
-التعبير يرتبط بأسطورة شائعة في شمال إفريقيا (تأتي من التراث الأمازيغي/العامي) عن ذئب بلغ سن الزواج لكنه رفض الزواج حتى يحدث شيء “مستحيل” — أي أن تمطر الشمس وتظهر عروسة السماء (قوس قزح)، وعندما تحقق ذلك اضطر للزواج، ومن ثم أصبح ذلك اليوم يُعرف بـ عرس الذيب.

مخرجات هذا المقال ، “عرس الديب” تعبير مغربي أصيل، يُجسّد لحظة تلاقٍ نادرة بين المطر والشمس، ويختزل في كلمتين فلسفة شعبية عميقة تقوم على المفارقة والرمز والسخرية الذكية من تناقضات الطبيعة. وهو، في جوهره، دليل على أن الثقافة الشعبية ليست مجرد تراث شفهي، بل نظام تأويلي متكامل يقرأ العالم بلغته الخاصة، ويمنحه معنى إنسانيًا يتجاوز الظاهر إلى الدلالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى