اخبار منوعة

المنظومة الضريبية في المغرب: من التهرب إلى العدالة الضريبية 

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
في خضم التحولات الاقتصادية التي يشهدها المغرب، باتت القضايا الضريبية في صلب السياسات العمومية، ليس فقط من منظور تحقيق إيرادات مالية للدولة، بل أيضًا كرافد أساسي لـ تعزيز العدالة الاجتماعية والضريبية ومحاربة الفساد والتهرب.
هذا المقال يستعرض بالتفصيل كيف تمكنت المنظومة الضريبية المغربية من تقليص دائرة التهرب وتعزيز العدالة داخل النظام الضريبي عبر إصلاحات قانونية وإجرائية متكاملة.
التحدي: التهرب الضريبي وآثاره على اقتصاد البلاد
التهرب الضريبي هو السلوك الذي يعتمد على التملص من دفع الضرائب المستحقة بطرق غير قانونية، مثل تقديم بيانات غير صحيحة أو إخفاء الإيرادات أو استخدام شركات وهمية لإصدار فواتير مزيفة. ولطالما شكل هذا السلوك عائقًا أمام تحقيق موارد مستقرة وكافية لتمويل الخدمات العامة، ويهدد العدالة الضريبية بخلق فجوة بين دافعي الضرائب واحترام القانون من جهة، ومنتهكيه غير المباليين بعواقب الأفعال من جهة أخرى.
التحول التشريعي والإطار القانوني للإصلاح الضريبي
بدأت الحكومة المغربية منذ سنوات بإعادة هيكلة الإطار الضريبي عبر سلسلة من قوانين المالية التي تستهدف تحديث التشريعات وتقليص الثغرات القانونية التي يستغلها البعض للتهرب، ومن أهم هذه الإجراءات:
-إصلاح قوانين الضرائب المباشرة وغير المباشرة لتبسيط النظام وتوحيد معدلات الضرائب وتقليل التعقيدات التي كانت تؤدي إلى التفسيرات المختلفة والإعفاءات غير المبررة.
-فرض آليات احترازية قبل регистра العقود مثل إلزام الحصول على شهادة الإبراء الضريبي (Quitus fiscal) قبل تحرير عقود الملكية، لضمان تسوية جميع الالتزامات الضريبية ذات الصلة.
-تشديد الجزاءات والمسؤولية التضامنية على المهنيين (مثل المحامين والموثقين) في حال مشاركة غير قانونية في تجاوزات تتعلق بالضرائب.
هذه التعديلات القانونية عملت على تقليص المساحات القانونية المتاحة للاستغلال غير المشروع ووضعت الأساس لبيئة أكثر عدالة وشفافية.
التحول الرقمي: قلب المعركة ضد التهرب
أحد أبرز النتائج في السنوات الأخيرة هو التحول الرقمي في الإدارة الضريبية من خلال:
-توسيع واجهات المعاملات الإلكترونية: دفع الضرائب، التصريحات، طلبات الشهادات، وشكاوى المكلفين تتم عبر المنصات الرقمية، مما حدّ بشكل كبير من التعاملات الورقية التي كانت عرضة للتلاعب.
-تكامل البيانات بين الإدارات عبر الربط الإلكتروني الذي يمكّن من تبادل المعلومات الفورية بين مصالح الضرائب والجهات الأخرى مثل السجل العقاري والمؤسسات البنكية.
-الذكاء الاصطناعي وأنظمة مراقبة ذكية: تم تطوير نظم قادرة على تحليل الإقرارات الضريبية والكشف عن التناقضات أو الأخطاء أو السلوك الشاذ في التصريحات، وإرسال تنبيهات تلقائية للمكلفين لتصحيح أوضاعهم قبل أن تتدرج الأمور إلى المخالفات.
هذا التحول الرقمي ساهم في تحسين جودة جمع البيانات وتقليل الأخطاء البشرية والفساد الإداري، كما عزز من قدرة الإدارة على مراقبة الامتثال الضريبي بكفاءة أعلى.
عمليات الضبط والتحفيز: الجمع بين الردع والتشجيع
لم تعتمد السلطات فقط على العقوبات، بل وظفت آليات تحفيزية تشجع على الامتثال الطوعي وتشمل:
-عمليات التسوية الطوعية (العفو الضريبي) التي أطلقتها الحكومة لتشجيع المكلفين على الإفصاح عن الدخل غير المصرّح به، مما حقق أثراً مالياً إيجابياً كبيرًا في خزينة الدولة.
-نظام الاقتطاع والتحصيل الآلي مثل ضريبة القيمة المضافة بنظام الاقتطاع من المصدر (Withholding VAT) الذي يفرض على الموردين سداد الضريبة عند مصدرها لضمان تحصيلها دون تأخير أو تهرب.
هذه الممارسات ساهمت في خلق ثقافة امتثال طوعي وقلّصت الأراضي الرمادية التي كانت تُستغل للتهرب.
نتائج ملموسة بالرقم والواقع :
أظهرت الإحصاءات الرسمية والإعلانات الحكومية أن الإصلاحات أثمرت زيادة كبيرة في الإيرادات الضريبية، مما يدل على فعالية الإجراءات المتخذة:
-ارتفاع متواصل في تحصيل الضرائب رغم التحديات الاقتصادية.
-تحقيق مبالغ معتبرة من عمليات الاقتطاع والتحصيل المستحدثة.
-نتائج قوية من عمليات التسوية الطوعية التي زادت من الموارد العامة.
-اليكم رسم بياني لارتفاع المداخيل حسب السنوات التالية من 2020 إلى 2025
أرقام 2025 حتى نهاية نوفمبر 2025 وصلت ≈ 301.9 مليار درهم، وهو مقدار كبير ولا يزال من المرجّح أن يرتفع قليلًا عند صدور البيانات النهائية للسنة كاملة.
الاتجاه العام يشير إلى زيادة واضحة مستمرة في المداخيل الجبائية السنوية، وهو ما يعكس تأثير إصلاحات النظام الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، والتحصيل المحسّن.
مخرجات هذا المقال ، إن العدالة الضريبية ليست هدفًا بل مسارًا مستمرًا، ويبقى التحدي قائمًا لأن التهرب الضريبي ليس مجرد مسألة جمع أموال، بل هو مؤشر على درجة العدالة والتوازن داخل المجتمع، وقد أثبت المغرب من خلال سياسات واضحة، وإجراءات تقنية، وتحسين حمامة  النظام الضريبي، أنه يسير في مسار متين نحو نظام أكثر عدالة وشفافية، وأن النجاح الحقيقي في هذا المضمار لا يُقاس فقط بكمية الأموال التي يتم جمعها، بل بمدى تكافؤ الفرص والالتزام الضريبي للفاعلين الاقتصاديين كافة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى