اخبار منوعة
مجلس السلام العالمي: هل يعكس أزمة مجلس الأمن الدولي؟ ولماذا حظيت المملكة المغربية بعضوية التأسيس؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتراجع فيه الحلول السياسية، لم يعد سؤال السلم الدولي ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، فمع استمرار النزاعات المسلحة، وتنامي التوترات الجيوسياسية، بات مجلس الأمن الدولي محل انتقادات متزايدة بسبب عجزه عن الاضطلاع بدوره المركزي في حفظ السلم والأمن الدوليين.
وفي هذا السياق، يطفو إلى السطح الحديث عن تأسيس مجلس السلام العالمي، كمبادرة جديدة تسعى إلى تجاوز أعطاب النظام الدولي القائم، وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول خلفيات هذا التوجه، ومعاييره، ودلالات دعوة المملكة المغربية للمشاركة فيه كعضو مؤسس.
أولًا: هل يمثل مجلس السلام العالمي فشلًا لمجلس الأمن الدولي؟
من الزاوية القانونية، لا يمكن اعتبار أي إطار دولي جديد بديلاً مباشرًا لمجلس الأمن، باعتباره الجهاز الوحيد المخول له اتخاذ قرارات ملزمة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
غير أن القراءة السياسية والواقعية تُظهر أن بروز مبادرات موازية يعكس حالة انسداد بنيوي داخل مجلس الأمن، تجلت في:
– الشلل المتكرر بسبب حق النقض (الفيتو)
-تسييس القرارات الأممية وفق مصالح القوى الكبرى
-فقدان الثقة في عدالة النظام الدولي
-العجز عن احتواء نزاعات طويلة الأمد
من هنا، فإن مجلس السلام العالمي لا يُعد إعلانًا رسميًا لفشل مجلس الأمن، لكنه إقرار غير مباشر بحدود فعاليته، ومحاولة لإيجاد آليات أكثر مرونة، تركز على الوقاية، الوساطة، والحلول السياسية بدل منطق القوة.
ثانيًا: الخلفية السياسية لتأسيس مجلس السلام العالمي
تقوم فكرة هذا المجلس على إعادة التفكير في مفهوم السلم الدولي، انطلاقًا من ثلاث خلفيات أساسية:
1-تحول النظام الدولي نحو التعددية القطبية، حيث لم تعد القوى التقليدية وحدها قادرة على ضبط التوازنات العالمية.
2-تصاعد دور القوى الإقليمية المستقرة
التي أثبتت قدرتها على لعب أدوار الوساطة واحتواء النزاعات.
3-الحاجة إلى مقاربة شمولية للسلم
تربط بين الأمن، التنمية، العدالة الاجتماعية، والاستقرار السياسي.
ضمن هذا السياق، لم يعد السلم يُدار فقط من مكاتب نيويورك، بل بات يتطلب إشراك فاعلين يتمتعون بالشرعية، المصداقية، والنجاعة الميدانية.
ثالثًا: لماذا الاقتصار على دول بعينها في التأسيس؟
لم يكن الاقتصار على عدد محدود من الدول في مرحلة التأسيس إقصاءً بقدر ما كان اختيارًا استراتيجيًا يهدف إلى:
-ضمان الانسجام السياسي.
-تفادي تضارب الأجندات.
-بناء نواة صلبة قادرة على الفعل لا مجرد إصدار البيانات.
وقد تم اعتماد معايير غير معلنة، لكنها واضحة في الممارسة، من بينها:
-الاستقرار السياسي والمؤسساتي.
-القدرة على الوساطة والحياد.
-غياب التورط المباشر في نزاعات كبرى.
-رصيد دبلوماسي قائم على الحلول السلمية.
رابعًا: دلالة إدماج المملكة المغربية كعضو مؤسس
في هذا الإطار، تكتسي دعوة المملكة المغربية دلالة خاصة، إذ لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة تراكم دبلوماسي جعل المغرب يُصنف ضمن الدول الموثوقة في إدارة ملفات السلم.
1-مصداقية دبلوماسية قائمة على التوازن
تميّزت السياسة الخارجية المغربية بثباتها، وابتعادها عن منطق المحاور والصراعات الإيديولوجية، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية.
2-تجربة عملية في حفظ السلام
يُعد المغرب من أكثر الدول مساهمة في عمليات حفظ السلام الأممية، خاصة في إفريقيا، وهو ما يمنحه شرعية ميدانية تتجاوز الخطاب السياسي.
3-موقع جيوسياسي ودور جسري
يشكل المغرب حلقة وصل بين:
إفريقيا وأوروبا ،والشمال والجنوب ، والعالمين العربي والإفريقي ، وهو موقع استراتيجي يعزز قدرته على لعب دور الوسيط الطبيعي في النزاعات الإقليمية والدولية.
خامسًا: الدور المنتظر من المغرب داخل مجلس السلام العالمي
لا يُنظر إلى المغرب كعضو رمزي، بل كفاعل محوري يُنتظر منه:
-القيام بدور الوساطة السياسية الهادئة.
-نقل التجربة المغربية في ربط السلم بالتنمية.
-تمثيل صوت إفريقيا داخل المجلس.
-المساهمة في بلورة رؤية جديدة للأمن الجماعي تقوم على الوقاية بدل التدخل، وعلى الحوار بدل الإكراه.
مخرجات هذا المقال ، إن تأسيس مجلس السلام العالمي يعكس مرحلة انتقالية في النظام الدولي، حيث لم تعد الآليات التقليدية قادرة وحدها على ضمان السلم. وفي هذا السياق، فإن إشراك المملكة المغربية كعضو مؤسس يشكل اعترافًا دوليًا بدورها المتنامي كفاعل مسؤول، يؤمن بأن السلام ليس قرارًا عسكريًا، بل مسارًا سياسيًا طويل الأمد.
وبين أزمة مجلس الأمن ومحاولات تجديد أدوات السلم، يبرز المغرب كنموذج لدولة تراكم النفوذ الهادئ، وتراهن على الحكمة بدل الضجيج، وعلى الفعل الدبلوماسي بدل الاستعراض.



