اخبار وطنية
من الانتخابات إلى الاستراتيجيات : فلسفة الحكم في فكر الحسن الثاني رحمه الله

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
قراءة في مقولة الملك الحسن الثاني:
«السياسي يفكر في الانتخابات، ورجل الدولة يفكر في الاستراتيجيات»
ليست كل الجُمل العابرة في السياسة عابرة فعلًا، فبعضها يتحول إلى مفاتيح لفهم الحكم، وطريقة تدبير الدولة، وحدود الفرق بين من يمارس السياسة ومن يتحمل عبء الدولة، من هذا القبيل، تندرج المقولة الشهيرة للملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله:
«السياسي يفكر في الانتخابات، ورجل الدولة يفكر في الاستراتيجيات»،
وهي عبارة قصيرة في مبناها، عميقة في معناها، تختزل فلسفة كاملة في الحكم والقيادة وتدبير الشأن العام.
أولًا: السياسي ومنطق الحساب الانتخابي
حين يتحدث الملك الحسن الثاني عن “السياسي”، فهو لا يقدّم توصيفًا سلبيًا بقدر ما يصف سلوكًا شائعًا في العمل الحزبي. السياسي، بحكم موقعه، غالبًا ما يكون أسير الاستحقاقات الانتخابية، ومشدودًا إلى منطق الشعبية، وإلى إرضاء القواعد الانتخابية، ولو على حساب القرارات الصعبة أو غير الشعبية.
في هذا السياق، يصبح التفكير قصير المدى هو الغالب:
-ماذا يريد الناخب اليوم؟
-كيف يمكن كسب الأصوات في الدورة المقبلة؟
-ما القرار الذي يضمن حضورًا إعلاميًا أو شعبية مؤقتة؟
وهنا تكمن المعضلة، لأن السياسة حين تُختزل في الانتخابات فقط، تتحول من وسيلة لخدمة المصلحة العامة إلى غاية في حد ذاتها، ويصبح الزمن السياسي محدودًا بتاريخ الاقتراع، لا بأفق التنمية أو الاستقرار.
ثانيًا: رجل الدولة ومنطق الرؤية الاستراتيجية
في المقابل، يضع الملك الراحل مفهوم “رجل الدولة” في مرتبة مختلفة تمامًا، رجل الدولة لا يفكر في الانتخابات القادمة، بل في الأجيال القادمة، لا ينشغل بردود الفعل الآنية، بل يبني قراراته على رؤية بعيدة المدى، تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الداخل، وتحولات الإقليم، وتوازنات العالم.
رجل الدولة، وفق هذا المنظور:
-يخطط ولا يرتجل.
-يستثمر في الاستقرار بدل الشعبوية.
-ويتحمل كلفة القرار الصعب اليوم لتجنب كارثة الغد.
الاستراتيجية هنا ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا لبقاء الدولة واستمرارها، خاصة في الدول ذات السياقات الجيوسياسية المعقدة، مثل المغرب.
ثالثًا: المقولة كسؤال أخلاقي في الممارسة السياسية
لا تقف هذه المقولة عند حدود الوصف، بل تحمل في طياتها رسالة أخلاقية ونقدية للنخب السياسية، فهي تسائل السياسي:
هل أنت مجرد فاعل انتخابي؟ أم شريك في بناء الدولة؟
وهل قراراتك نابعة من قناعة وطنية؟ أم من حسابات ظرفية؟
كما تعكس المقولة إدراك الملك الحسن الثاني لخطورة الخلط بين منطق الدولة ومنطق الحزب، وبين الاستمرارية المؤسساتية والتقلبات الانتخابية.
رابعًا: راهنية المقولة في السياق المغربي
رغم مرور سنوات طويلة على إطلاق هذه العبارة، فإنها لا تزال تحتفظ براهنية لافتة في السياق المغربي والعربي عمومًا. ففي زمن الأزمات الاقتصادية، والتحولات الجيوسياسية، والتحديات الاجتماعية، يتأكد أن الدول لا تُدار بالخطابات وحدها، ولا بالوعود الانتخابية، بل بالرؤية، وبالاستشراف، وبالقرارات الاستراتيجية.
وقد أثبتت التجربة المغربية، في أكثر من محطة، أن الرهانات الكبرى—من التنمية، إلى الأمن، إلى الدبلوماسية—تم تدبيرها بمنطق الدولة لا بمنطق الظرف السياسي، وهو ما يفسر قدرًا من الاستقرار والاستمرارية مقارنة بغيره من السياقات.
مخرجات هذا المقال، لا يمكن قراءة مقولة الملك الحسن الثاني رحمه الله، بمعزل عن مساره كرجل دولة خبر السياسة الدولية، وعايش تقلبات الداخل والخارج، إنها ليست مجرد جملة للتداول، بل خلاصة تجربة حكم، وتحذير مبكر من اختزال السياسة في الانتخابات.
هي دعوة صريحة للسياسيين، اليوم كما بالأمس، للارتقاء من منطق التدبير المرحلي إلى منطق البناء الاستراتيجي، لأن الدول لا تُبنى بالأصوات وحدها، بل بالرؤية، وبالاستمرارية، وبالشجاعة في اتخاذ القرار.



