بين الوهم والاطمئنان والصبر: كيف اختصر ابن سِناء فلسفة الشفاء في مقولة خالدة؟

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
ليست كل الكلمات العظيمة بحاجة إلى إطالة، فبعضها يحمل من العمق ما تعجز عنه المجلدات، من بين هذه الحكم الخالدة تبرز مقولة الفيلسوف والطبيب ابن سِناء:
«الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء»، وهي عبارة تختزل رؤية متقدمة للعلاقة المعقدة بين النفس والجسد، وتكشف وعياً مبكراً بما أصبح اليوم من بديهيات الطب الحديث.
الوهم حين يصبح العقل شريكاً في المرض
يضع ابن سِناء يده على أول مكمن للخطر: الوهم، فحين يستولي الخوف والقلق على الإنسان، يتحول العقل من أداة وعي إلى مصدر استنزاف، فالوهم لا يصنع المرض دائماً، لكنه يضخّمه، ويزيد حدته، ويطيل زمنه.
وهنا يلتقي الفكر الفلسفي مع العلم المعاصر، إذ تؤكد دراسات الطب النفسي أن التوتر والقلق المزمنين يضعفان المناعة، ويعطلان آليات الشفاء الطبيعية، وكأن ابن سِناء، قبل قرون، كان يقول لنا إن نصف معركتنا مع المرض تُخاض في أذهاننا لا في أجسادنا.
الاطمئنان دواء بلا وصفة
في مقابل الوهم، يطرح ابن سِناء الاطمئنان بوصفه نصف الدواء، والاطمئنان هنا ليس سذاجة ولا إنكاراً للواقع، بل هو حالة توازن نفسي وثقة داخلية تسمح للجسد بأن يعمل دون ضغط.
فالإنسان المطمئن يتنفس بعمق، ينام بهدوء، ويتعامل مع العلاج بعقل منفتح، ما يجعل فرص التعافي أكبر، ولعل هذا ما يفسر نجاح بعض العلاجات حين يقترن الدواء بالكلمة الطيبة، والاهتمام الإنساني، والدعم النفسي.
الصبر الخطوة الأولى نحو الشفاء
أما الصبر، فيضعه ابن سِناء في موقع البداية لا النهاية، فهو لا يراه مجرد تحمّل للألم، بل موقفاً واعياً من فترة العلاج، فالأمراض لا تُقهر بالعجلة، ولا تُشفى باليأس.
الصبر يمنح المريض القدرة على الالتزام بالعلاج، وتقبّل بطء التحسن، ومقاومة الإحباط، إنه القوة الهادئة التي تسمح للزمن بأن يؤدي دوره في الترميم.
تقييم المقولة في ضوء الواقع المعاصر
ما يجعل هذه المقولة خالدة ليس بلاغتها فحسب، بل توافقها المدهش مع أحدث ما توصل إليه العلم، فالطب اليوم يتحدث عن العلاج الشمولي، وعن أهمية الصحة النفسية، وعن دور الإيمان والطمأنينة في تسريع الشفاء.
ابن سِناء لم يكن طبيب أجساد فقط، بل طبيب إنسان، أدرك أن الألم ليس مادة صماء، وأن الشفاء لا يأتي من الخارج وحده، بل يبدأ من الداخل.
خلاصة القول، تقدم هذه المقولة درساً إنسانياً عميقاً:
أننا نمرض أحياناً بأفكارنا، ونُشفى بمواقفنا، وننجو بصبرنا.
وأن المعركة الحقيقية مع المرض لا تُحسم في المختبر وحده، بل في القلب والعقل معاً، إنها مقولة لا تنتمي للماضي، بل تخاطب حاضر الإنسان القلق، وتذكّره بأن الاطمئنان ليس ترفاً، بل ضرورة علاجية ، وأن الصبر، مهما طال، هو دائماً أول الطريق إلى الشفاء والتخلص من الألم مهما بلغ حجمه ونوعه وسببه .



