اخبار منوعة

عندما يتعطل الدفاع من يحمي العدالة؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

ليست مقاطعة هيئات المحامين لتقديم خدماتها مجرد حركة احتجاجية عابرة، بل هي جرس إنذار دستوري يقرع بقوة داخل منظومة العدالة المغربية، فمشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، كما صادقت عليه الحكومة وأحالته على البرلمان، فجّر سؤالًا أعمق من نصوص قانونية وتقنيات تشريعية: من يملك حق إعادة هندسة العدالة دون توافق مع أحد أعمدتها الأساسية؟

في كل الأنظمة الديمقراطية، لا تُختزل العدالة في القاضي وحده، ولا تُمارس بالقانون فقط، بل تقوم على توازن دقيق بين ثلاثة أركان: قضاء مستقل، دفاع حر، وتشريع رشيد، وعندما يختل أحد هذه الأركان، تصبح العدالة معرضة للاهتزاز، مهما حسنت النوايا أو تجملت الخطابات.

فقرار هيئات المحامين مقاطعة خدمات الدفاع، رغم كلفته الثقيلة على المواطنين، يعكس قناعة راسخة داخل الجسم المهني مفادها أن مشروع القانون 66.23 لا يمس فقط تنظيم المهنة، بل يمس جوهر استقلالها، وهذا ما يفسر انتقال الاحتجاج من قاعات الحوار إلى تعطيل الممارسة، كآخر أدوات الضغط المتاحة.

في المقابل، تجد مؤسسة القضاء نفسها في وضعية حرجة، فالقاضي مطالب دستوريًا بالبت في النزاعات وضمان السير العادي للمحاكم، لكنه في الآن ذاته يشتغل داخل منظومة فقدت أحد عناصر توازنها.
قاضٍ بلا دفاع فعّال ليس قاضيًا أكثر قوة، بل قاضٍ مثقل بالمسؤولية، محاط بمخاطر المساس بحقوق المتقاضين وبسلامة الأحكام.

أما المواطن، فهو الخاسر الأكبر في هذا الصراع الصامت، فتعطيل الجلسات، وتأجيل الملفات، وغياب التمثيل القانوني كلها مؤشرات على أن الحق في التقاضي العادل لم يعد مضمونًا بالدرجة نفسها، لا بسبب ضعف النصوص، بل بسبب انسداد الحوار.

الخطير في هذه الأزمة ليس فقط استمرار المقاطعة، بل منطق تمرير القوانين بمنطق الأغلبية العددية بدل الشرعية التوافقية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمهنة دستورية تلعب دور الوسيط بين المواطن والدولة.
فالإصلاح الحقيقي لا يُفرض، بل يُبنى، ولا يُنجز في غياب المعنيين به، بل يقتضي الحوار والتوافق .

فتحقيق العدالة لا تُدار بمنطق كسر العظم، ولا تُصلح بتهميش شركائها، وإذا كانت الدولة حريصة على تحديث وإصلاح منظومة العدالة، فإن المدخل الطبيعي لذلك يمر عبر إعادة فتح حوار مؤسساتي صريح ومسؤول، يعترف باختلاف الرؤى دون تخوين، ويبحث عن حلول دون ليّ ذراع.

ماينبغي استنتاجه ، لا أحد ينتصر في معركة تُشلّ فيها العدالة، فحين يتعطل الدفاع، لا يربح القاضي، ولا تخسر المحاماة وحدها، بل تتراجع ثقة المواطن في العدالة، وتلك خسارة لا يعوضها أي قانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى