عندما يتحوّل القرب إلى خطر: هل يمكن أن يكون أفضل أصدقائك هو عدوك؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
تُثير مقولة «أفضل صديق لك هو عدوك» قدرًا كبيرًا من الجدل، لأنها تصطدم بالصورة الرومانسية التي نرسمها للصداقة بوصفها ملاذًا آمنًا من الخيانة والخذلان، غير أن هذه العبارة، على قسوتها الظاهرة، لا تُطلق حكمًا أخلاقيًا بقدر ما تكشف حقيقة إنسانية معقّدة: أن الخطر الأكبر لا يأتي غالبًا من الغرباء، بل من الأقرب إلينا.
القرب سلاح ذو حدّين
الصديق المقرّب هو أكثر الناس معرفة بتفاصيلنا، بنقاط ضعفنا، بأحلامنا ومخاوفنا وأسرارنا، وهذه المعرفة، حين تكون مقرونة بالأمانة، تتحول إلى حماية، لكنها حين تختلط بالغيرة، أو الحسد، أو المصالح، قد تصبح أداة أذى فتاكة.
فالعدو الخارجي يهاجمك من الأمام، أما الصديق المتحوّل إلى خصم فيضربك من الخلف، حيث لا تتوقع ولا تتحصّن.
الغيرة المقنّعة بثوب الصداقة
في كثير من الأحيان، لا يبدأ العداء بشكل صريح، بل يتسلّل عبر الغيرة الصامتة، بحيث يفرح الصديق لنجاحك ظاهريًا، لكنه يقارنه داخليًا بفشله، فينشأ صراع خفي، ومع تراكم الإحباطات، قد تنقلب المشاعر، فيتحوّل القرب إلى منافسة، والمساندة إلى تقليل، والنصيحة إلى إحباط مقصود.
المصالح تغيّر الوجوه
الصداقة التي تُبنى على مصلحة مشتركة أكثر من القيم، تظل صداقة هشة، وعندما تتغيّر الظروف، يظهر الوجه الآخر. هنا يصبح “أفضل صديق” هو الأكثر قدرة على الإضرار، لأنه يعرف متى وأين يضغط.
وفي السياق الاجتماعي والمهني، كثيرًا ما تكون الخيانات الكبرى صادرة عن شركاء أو أصدقاء لا عن خصوم معلنين.
ليس اتهامًا بل دعوة للوعي
المقولة لا تدعو إلى الشك المرضي في كل صداقة، ولا إلى العزلة، لكنها تنبيه إلى ضرورة الوعي في العلاقات الإنسانية، فالثقة العمياء قد تكون سذاجة، كما أن الحذر الذكي لا يعني سوء النية.
الصديق الحقيقي هو من يفرح لنجاحك دون حسابات، ويصون سرك حتى في لحظات الخلاف، ويختلف معك دون أن يسعى لإسقاطك.
مخرجات هذا المقال ، «أفضل صديق لك هو عدوك» ليست حقيقة مطلقة، بل تحذير واقعي من أن أخطر أشكال العداء هو ذاك الذي يولد من رحم القرب.
إنها دعوة لإعادة تقييم علاقاتنا، وبنائها على الصدق والحدود الواضحة، لا على الاندفاع العاطفي وحده.
ففي عالم تتشابك فيه المصالح وتتبدل فيه القيم، تبقى الصداقة الحقيقية نادرة لكنها حين توجد، تُغني عن ألف حليف.



