اخبار جهوية

عامل إقليم برشيد بين إرث التدبير المرتبك وصمت ممثلي الأمة: من يحاسب من؟

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
في قلب جهة الدار البيضاء–سطات، يقف إقليم برشيد على مفترق طرق سياسي وتدبيري دقيق، فالعامل الجديد على رأس الإقليم يجد نفسه أمام إرث ثقيل من اختلالات التدبير الجماعي، سواء داخل الجماعات الحضرية أو القروية، في مشهد يختزل أزمة حكامة ممتدة لسنوات، وبين هشاشة البنيات، وتعثر المشاريع، وتنامي الاحتقان الاجتماعي، يبرز سؤال جوهري: كيف وصل الوضع إلى هذا المستوى؟ وأين كان نواب الأمة من كل ما يجري؟
إرث ثقيل حين تتحول الجماعات إلى عبء تنموي
لا يمكن فهم الواقع الحالي دون العودة إلى طبيعة التدبير الجماعي ، فقد أفرزت انتخابات محلية متعاقبة مجالس تفتقر في كثير من الحالات إلى الكفاءة التقنية والرؤية الاستراتيجية، ما جعل الجماعات تتحول من رافعة للتنمية إلى عبء على الإقليم.
في جماعات حضرية مثل برشيد، تتكرر شكاوى الساكنة من ضعف البنيات التحتية، واختلالات التعمير، وتردي خدمات النظافة والإنارة والماء الصالح للشرب واحتلال الملك العمومي وتردي الخدمات الاجتماعية وغيرها من متطلبات الحياة، أما في الجماعات القروية المحيطة، فالمشهد أكثر تعقيداً: طرق مهترئة، خصاص في الماء الصالح للشرب ببعض الدواوير، ومرافق اجتماعية غير مكتملة أو مغلقة بسبب غياب الصيانة.
هذه الاختلالات لا تعكس فقط سوء تدبير ظرفي، بل تشير إلى أعطاب بنيوية في منظومة الحكامة المحلية، حيث يغيب التخطيط متوسط وبعيد المدى، وتطغى الحسابات الانتخابية الضيقة على منطق التنمية المستدامة.
العامل بين سلطة الوصاية وضغط الواقع
بحكم موقعه، يتحمل عامل الإقليم مسؤولية التنسيق وتتبع تنفيذ السياسات العمومية، وضمان احترام القانون داخل الجماعات الترابية، غير أن صلاحياته، رغم أهميتها، لا تعفي المنتخبين من مسؤولياتهم الدستورية.
العامل اليوم مطالب بإعادة ترتيب البيت الداخلي:
-تفعيل آليات المراقبة الإدارية والمالية.
-الدفع نحو تسريع المشاريع المتعثرة.
-تحفيز الجماعات على إعداد برامج تنموية واقعية وممولة.
غير أن الإشكال الأكبر يكمن في أن العامل يشتغل داخل منظومة جماعية قد تكون نفسها جزءاً من الأزمة، فالتغيير الإداري لا يكفي إذا لم يُواكبه إصلاح سياسي وأخلاقي في أداء المنتخبين.
الغياب المقلق لنواب الأمة
اللافت في هذا المشهد هو الصمت شبه التام لنواب الإقليم داخل البرلمان. فالدستور يمنحهم صلاحيات التشريع والمراقبة وطرح الأسئلة الشفوية والكتابية حول قضايا التنمية المحلية، لكن حضورهم في النقاش العمومي حول وضعية الإقليم يكاد يكون باهتاً.
غياب نواب الأمة لا يُقرأ فقط كضعف تواصل، بل كمؤشر على أزمة تمثيلية أعمق،  إذ يبدو أن بعض البرلمانيين يكتفون بدور الوسيط الموسمي خلال الحملات الانتخابية، دون ممارسة ضغط مؤسساتي حقيقي لتحسين وضع الإقليم أو مساءلة القطاعات الوزارية المعنية عن تعثر المشاريع.
وهنا تتجلى مفارقة مؤلمة:
العامل، وهو ممثل السلطة التنفيذية، يتحمل يومياً ضغط الشارع، بينما من يفترض أن ينقل صوت هذا الشارع إلى قبة البرلمان يغيب عن معركة المساءلة.
الأسباب البنيوية للأزمة
يمكن تلخيص جذور الوضع المزري في ثلاث مستويات مترابطة:
1-ضعف التأهيل السياسي والتقني للمنتخبين:
كثير من رؤساء الجماعات يفتقرون إلى التكوين في مجال التدبير المالي والإداري، ما ينعكس على جودة القرارات.
2-هيمنة منطق الولاءات بدل الكفاءة:
التحالفات داخل المجالس تُبنى أحياناً على حسابات ظرفية لا على برامج تنموية واضحة.
3-هشاشة آليات المحاسبة السياسية:
رغم وجود تقارير رقابية، فإن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يظل محدود الأثر في الوعي العام.
ما العمل؟ بين إعادة الثقة واستعادة الهيبة
إن إنقاذ إقليم برشيد من هذا الإرث الكارثي يمر عبر مسارات متوازية:
-إعادة الاعتبار لمفهوم التدبير بالكفاءة لا بالولاء.
-تفعيل الرقابة الصارمة على الصفقات والمشاريع.
-تحفيز المجتمع المدني والإعلام المحلي على لعب دور يقظ ومسؤول.
-مطالبة نواب الأمة بالخروج من صمتهم، عبر مبادرات تشريعية ورقابية ملموسة.
فالتنمية ليست شأناً إدارياً صرفاً، بل معركة سياسية وأخلاقية في آن واحد.
مخرجات هذا المقال، إن إقليم برشيد اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية، فإما أن يتحول الإرث الثقيل إلى نقطة انطلاق لإصلاح عميق يعيد الثقة في المؤسسات، أو يستمر مسلسل التبرير وتبادل الاتهامات، فتتآكل الثقة أكثر.
فالرهان ليس فقط على عامل الإقليم، بل على وعي جماعي جديد يعيد تعريف معنى المسؤولية العمومية، لأن التنمية، في نهاية المطاف، لا تُبنى بقرارات فوقية معزولة، بل بإرادة سياسية صادقة، ومحاسبة فعلية، وتمثيلية حقيقية تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى