اخبار وطنية
الترحال السياسي قبيل الانتخابات: حين تتحول الأحزاب إلى محطات عبور

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
جرت العادة على أنه كلما كان موضوع البحث مثير للجدل والاهتمام ، كلما زادت نسبة التعريف به وتحديد مفهومه الصحيح بشكل أكبر حتى يكون القارئ والمتتبع قادرا على فهم ومعرفة المزيد عنه .
أولًا: مفهوم الترحال السياسي لغة
الترحال في اللغة العربية مشتق من الفعل رَحَلَ، ويعني:
-الانتقال من مكان إلى آخر،
-أو مغادرة موضع الإقامة نحو وجهة جديدة.
و في المعاجم العربية:
-الترحال: كثرة الارتحال والتنقّل وعدم الاستقرار.
-ويُقال: فلان كثير الترحال أي لا يثبت في مكان واحد، وعليه، فإن الترحال لغويًا يحمل دلالات واضحة هي:
-عدم الاستقرار
-الانتقال المتكرر
-غياب الثبات والانتماء الدائم
وعند إسقاط هذا المعنى على المجال السياسي، يصبح الترحال مرادفًا لغياب الالتزام والثبات في المواقف والانتماءات.
ثانيًا: مفهوم الترحال السياسي اصطلاحًا
اصطلاحًا، يُقصد بـ الترحال السياسي:
انتقال الفاعل السياسي، خصوصًا المنتخب أو المرشح، من حزب سياسي إلى حزب آخر، بشكل متكرر أو ظرفي، غالبًا بدوافع انتخابية أو مصلحية، دون أن يكون هذا الانتقال مؤسسًا على تحول فكري أو مراجعة سياسية عميقة.
ويُستعمل المفهوم لوصف:
-تغيير الانتماء الحزبي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية،
-السعي إلى التزكية أو ضمان الفوز،
-أو التموقع داخل أحزاب يُنظر إليها على أنها أكثر حظًا انتخابيًا أو نفوذًا محليًا.
مع كل اقتراب للاستحقاقات الانتخابية، تطفو على سطح المشهد السياسي ظاهرة باتت مألوفة ومثيرة للجدل في الآن ذاته، ويتعلق الأمر بـ الترحال السياسي؛ حيث يعمد عدد من المنتخبين والفاعلين الحزبيين إلى مغادرة أحزابهم الأصلية والالتحاق بأخرى، ليس بدافع القناعة الفكرية أو التقارب الإيديولوجي، بل بحثاً عن مواقع انتخابية مريحة، أو ضمانات للفوز، أو مظلة سياسية أقوى، ظاهرة تطرح أكثر من علامة استفهام حول مصداقية الفعل السياسي ومستقبل الممارسة الديمقراطية.
ترحال بلا بوصلة سياسية
في الأصل، يفترض أن تشكل الأحزاب السياسية فضاءات للتأطير الإيديولوجي والتكوين السياسي وصناعة النخب، غير أن واقع الترحال يكشف أن الانتماء الحزبي لدى فئة من السياسيين أصبح انتماءً ظرفياً وموسمياً، تحكمه الحسابات الشخصية أكثر مما تؤطره البرامج والرؤى، فالحزب يتحول إلى مجرد وسيلة انتخابية، لا إلى إطار نضالي أو مشروع مجتمعي.
أسباب الظاهرة: أزمة بنيوية متعددة الأبعاد
لا يمكن اختزال الترحال السياسي في سلوك فردي معزول، بل هو نتاج أزمة بنيوية يعيشها الحقل السياسي، من أبرز تجلياتها:
-هشاشة الديمقراطية الداخلية داخل عدد من الأحزاب، وغياب آليات شفافة لاختيار المرشحين.
-تغليب منطق المال والجاه الانتخابي على الكفاءة والنزاهة.
-ضعف التأطير السياسي والفكري، ما يجعل الفاعل الحزبي غير مرتبط بمشروع سياسي واضح.
-تراجع الثقة المجتمعية في الأحزاب، ما شجع على منطق “الفرصة” بدل الالتزام.
التأثير على الحياة السياسية والديمقراطية
يمثل الترحال السياسي ضربة قوية لمصداقية العمل السياسي، إذ:
-يكرس العزوف الانتخابي ويعمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
-يفرغ التعددية الحزبية من مضمونها، ويجعل الأحزاب متشابهة في الممارسة وإن اختلفت في الشعارات.
-يضعف الاختيار الديمقراطي، لأن الناخب يصوت لأشخاص لا لبرامج، في غياب أي التزام أخلاقي أو سياسي.
-يحول الديمقراطية إلى منافسة انتخابية تقنية بدل كونها تعاقداً سياسياً قائماً على المحاسبة.
تقييم المشهد: ديمقراطية بلا أخلاق سياسية
إن خطورة الترحال السياسي لا تكمن فقط في كونه ممارسة غير أخلاقية، بل في كونه مؤشراً على تآكل القيم السياسية، حيث يتم تطبيع سلوكيات انتهازية دون ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يفرغ العمل السياسي من بعده النبيل، ويجعل الديمقراطية شكلية أكثر منها جوهرية.
نحو تطويق الظاهرة: أي حلول ممكنة؟
لمواجهة هذه الصفحة المشينة من الممارسة السياسية، تبرز مجموعة من الحلول الواقعية:
-تشديد القوانين المنظمة للترحال السياسي وربط الانتقال بفترات زمنية صارمة.
-تعزيز الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، وقطع الطريق أمام “الأعيان الانتخابيين”.
-إعادة الاعتبار للتأطير السياسي والفكري وربط الترشيح بالكفاءة والمسار النضالي.
-تفعيل المحاسبة الشعبية عبر وعي انتخابي يميز بين السياسي الملتزم والسياسي الموسمي.
مخرجات هذا المقال ، إن ظاهرة الترحال السياسي ليست مجرد عرض عابر، بل هي مرض سياسي يهدد الثقة في المؤسسات ويقوض أسس الديمقراطية، وإذا لم يتم التصدي لها بإرادة سياسية حقيقية وإصلاحات عميقة، فإن العملية الانتخابية ستظل حبيسة نفس الوجوه ونفس الممارسات، بينما يظل المواطن والوطن أكبر الخاسرين، فالديمقراطية لا تُبنى بالترحال، بل بالثبات على المواقف والوفاء للاختيار السياسي.



