المغرب في كوكب آخر: كيف كشفت “الكان” الفارق بين الرؤية والارتجال في إفريقيا

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
لم تكن بطولة كأس أمم إفريقيا، التي احتضنها المغرب بنجاح لافت، مجرد تظاهرة رياضية عابرة، بل شكلت لحظة كاشفة لواقعين متباينين داخل القارة الإفريقية: واقع دولة استثمرت في التخطيط والاستباق والرؤية بعيدة المدى، وواقع دول لا تزال ترتهن منطق التدبير الظرفي والارتجال والتشكيك الإنجاز الخارق ، ومن هنا، تبدو عبارة «المغرب في كوكب، وباقي إفريقيا في كوكب آخر» توصيفاً رمزياً دقيقاً لحجم الفارق الذي ظهر للعيان، لا تعالياً ولا انتقاصاً، بل قراءة موضوعية لما أفرزته الوقائع بكل تفاصيلها وتجلياتها للأسف .
تنظيم يتجاوز المعايير الإفريقية
منذ اللحظات الأولى لانطلاق “الكان”، برزت ملامح تنظيم استثنائي بمعايير عالمية: ملاعب حديثة، بنية تحتية متكاملة، تنقل سلس، أمن محكم، تغطية إعلامية احترافية، وحفاوة استقبال جسدت عمق الثقافة المغربية في التنظيم والضيافة. لم يكن الأمر صدفة، بل نتيجة تراكم سنوات من الاستثمار في الرياضة، والبنيات الأساسية، وربط الحدث الرياضي بصورة الدولة الحديثة القادرة على الإنجاز.
لقد قدم المغرب نموذجاً جديداً لتنظيم التظاهرات الكبرى في إفريقيا، نموذجاً أقرب إلى المعايير الأوروبية والعالمية ان لم نقل يتجاوزها حقيقة ، ما جعل كثيرين يطرحون السؤال الجوهري: لماذا يستطيع المغرب ما تعجز عنه دول أخرى تملك الإمكانيات نفسها، وربما أكثر؟
الرؤية تصنع الفارق
الجواب يكمن في كلمة واحدة: الرؤية. فالمغرب لم يتعامل مع “الكان” كحدث رياضي ظرفي، بل كجزء من مشروع استراتيجي متكامل، يربط الرياضة بالتنمية، والديبلوماسية، وصورة الدولة في الخارج. هذه المقاربة، التي يقودها العاهل المغربي الملك محمد السادس حفظه الله، جعلت من الرياضة رافعة للتنمية الناعمة، وأداة لتعزيز المكانة الإقليمية والدولية للمملكة.
في المقابل، لا تزال بعض الدول الإفريقية تحصر تنظيم التظاهرات في منطق “تدبير الحدث” بدل “بناء المنظومة”، ما يؤدي إلى تعثرات متكررة، وتأجيلات محرجة، وتنظيم يفتقد لأبسط شروط النجاح.
رسالة إلى إفريقيا قبل العالم
نجاح المغرب لم يكن إحراجاً لإفريقيا، بل رسالة أمل لها، رسالة مفادها أن القارة قادرة على تنظيم أكبر التظاهرات إذا ما توفرت الحكامة، وربطت المسؤولية بالمحاسبة، وتحررت من الحسابات السياسية الضيقة. المغرب لم يغادر القارة، لكنه اختار أن يشتغل بعقلية مختلفة، وأن يكون مختبراً لما يمكن أن تكون عليه إفريقيا الغد.
ومن هذا المنطلق، فإن عبارة «المغرب في كوكب آخر» لا تعني القطيعة مع إفريقيا، بل تعكس مسافة زمنية في التفكير والتخطيط، يمكن ردمها متى توفرت الإرادة السياسية الصادقة.
مخرجات هذا المقال ، لقد أثبتت “الكان” أن المغرب لم يعد يكتفي بالمشاركة، بل بصناعة الحدث وتحديد المعايير، وبينما انشغل البعض بتبرير الفشل، اختار المغرب لغة الأفعال، وهنا تتجسد دلالة العبارة بكل وضوح: ليس لأن المغرب خرج من إفريقيا، بل لأنه قرر أن يسبقها بخطوات، في انتظار أن تلتحق به باقي الدول، حين تدرك أن النجاح لا يُرتجل بل يُصنع بأيادي محلية .



