اخبار منوعة

الحكامة في المغرب، من شعار الإصلاح إلى امتحان تخليق الإدارة وربط المسؤولية بالمحاسبة

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
لم يعد مفهوم الحكامة في السياق المغربي مجرد مصطلح تقني وافد من أدبيات التدبير الحديثة، بل تحول إلى مدخل مركزي لإصلاح الإدارة العمومية، ورافعة أساسية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، فكلما ذُكرت الحكامة  في الخطاب الرسمي أو السياسي، اقترنت تلقائيًا بثلاثية حاسمة: إصلاح الإدارة، تخليق المرفق العمومي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحًا: لماذا ارتبطت الحكامة في المغرب بهذا المسار تحديدًا؟ وما الذي يفسر هذا الاختيار؟ وإلى أي حد انتقل من مستوى الخطاب إلى واقع الممارسة؟
الحكامة كتشخيص لأزمة الإدارة
يأتي التركيز المغربي على الحكامة من كونها استجابة بنيوية لأعطاب تاريخية لازمت الإدارة العمومية لعقود، من قبيل:
-تعقيد المساطر الإدارية
-هيمنة البيروقراطية
-ضعف الشفافية
-انتشار منطق الامتياز والزبونية
-غياب ربط حقيقي بين القرار والمسؤولية
لقد أفرز هذا الوضع إدارةً تُنتج القرار أكثر مما تُنتج الخدمة، وتُكرّس السلطة أكثر مما تُجسّد المرفق العمومي، ما جعل الحكامة تُطرح كـفلسفة تدبير بديلة، لا تكتفي بتغيير القوانين، بل تستهدف تغيير الذهنيات وأنماط الاشتغال.
تخليق الإدارة: جوهر الحكامة وليس ملحقًا بها
في التجربة المغربية، لم تُختزل الحكامة  في النجاعة التقنية أو حسن التسيير المالي فقط، بل جرى ربطها مباشرة بـالأخلاق العمومية، فالإدارة، مهما بلغت درجة تحديثها، تظل فاقدة للمشروعية إذا لم تُؤسَّس على:
-النزاهة
-الاستقامة
-تكافؤ الفرص
-خدمة الصالح العام
ومن هنا جاء الحديث المتكرر عن تخليق الحياة الإدارية باعتباره العمود الفقري للحكامة، لا مجرد عنصر ثانوي، تخليق الإدارة يعني الانتقال من: منطق “السلطة دون مساءلة” إلى منطق “المسؤولية مقابل المحاسبة”،  وهو تحول ثقافي عميق قبل أن يكون قانونيًا.
ربط المسؤولية بالمحاسبة: من المبدأ الدستوري إلى المطلب المجتمعي
كرّس الدستور المغربي مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة كقاعدة دستورية ناظمة، لكنه في الواقع العملي ظلّ أكثر حضورًا في النصوص منه في الممارسة، لذلك أصبحت الحِكامة تُستدعى كآلية تفعيل لا كشعار سياسي.
فالحكامة، في بعدها المغربي، تعني:
-ألا تُمنح المسؤولية دون تحديد دقيق للاختصاص.
-ألا يُتخذ القرار دون إمكانية التتبع والتقييم.
-ألا تمرّ الاختلالات دون مساءلة، أيا كان موقع المسؤول.
وهنا يبرز دور مؤسسات الحكامة (مجالس الرقابة، هيئات النزاهة، القضاء الإداري، المفتشيات العامة)، التي تمثل الذراع الرقابي لترجمة مبدأ المحاسبة من شعار أخلاقي إلى ممارسة مؤسساتية.
لماذا يتركز خطاب الحكامة على الإدارة؟
لأن الإدارة هي واجهة الدولة اليومية، ومن خلالها تُقاس:
-مصداقية السياسات العمومية.
-فعالية الإصلاحات.
-جدية محاربة الفساد.
فالدولة قد تمتلك أفضل القوانين والاستراتيجيات، لكن إدارة ضعيفة أو غير مُخلَّقة كفيلة بإفراغها من مضمونها، لذلك أصبحت الحكامة  في المغرب مرادفًا لإصلاح الإدارة، باعتبارها الحلقة الأضعف والأكثر تأثيرًا في آن واحد.
بين الإرادة السياسية وإكراهات التنزيل
رغم وضوح الرؤية على مستوى الخطاب، فإن تنزيل الحِكامة يواجه إكراهات متعددة:
-مقاومة التغيير داخل بعض البنيات الإدارية.
-ثقافة الإفلات من المحاسبة.
-ضعف حماية المبلّغين.
-تداخل السلط والمسؤوليات.
وهو ما يجعل الحكامة في المغرب مسارًا تدريجيًا متعثرًا أحيانًا، لكنه غير قابل للتراجع، بحكم الضغط المجتمعي وتنامي الوعي بدور المحاسبة في تحقيق التنمية.
بالنتيجة ، فإن ارتباط مفهوم الحِكامة في المغرب بإصلاح الإدارة وتخليقها وربط المسؤولية بالمحاسبة ليس اختيارًا لغويًا ولا ترفًا مفاهيميًا، بل رهان دولة على إعادة بناء العقد الثقة مع المواطن.
فالحكامة الحقيقية ليست في كثرة المؤسسات أو القوانين، بل في:
-إدارة تحترم المواطن،
-ومسؤول يُحاسَب،
-وقرار يخضع للتقييم،
-ودولة تجعل من الأخلاق العمومية أساسًا للشرعية.
وإلى أن يتحقق ذلك بالكامل، ستظل الحكامة في المغرب مشروعًا مفتوحًا، لا يكتمل بالشعارات، بل بالممارسة اليومية داخل الإدارة العمومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى