اخبار وطنية
عندما تتحرك العدالة لفك لغز الكارثة وتحديد المسؤوليات

ذا عمرو العرباوي/مدير النشر
في خطوة تعكس خطورة الحدث وجسامة نتائجه، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بآسفي يومه الاثنين 2025/12/15 عن فتح بحث قضائي على خلفية السيول الفيضانية التي عرفها إقليم آسفي، مساء الأحد، والتي خلّفت، حسب حصيلة مؤقتة، وفاة ما يقارب اكثر من 40 شخصاً، في واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية دموية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.
هذا القرار، الذي أوكل تنفيذه إلى الشرطة القضائية، لا يندرج فقط في إطار ردّ فعل آني على فاجعة إنسانية، بل يعكس تفعيلًا واضحًا لدور النيابة العامة في حماية النظام العام، وتتبع الأحداث ذات الطابع الخطير، والسهر على عدم إفلات أي مسؤول محتمل من المحاسبة
البحث القضائي: ما معناه وما غايته؟
فتح البحث القضائي لا يعني، من الناحية القانونية، توجيه اتهام مباشر لأي جهة، بقدر ما يشكّل مرحلة أولية للتحقيق تهدف إلى:
-تحديد الأسباب الحقيقية التي أدت إلى وقوع السيول بهذه الحدة.
-فحص مدى احترام معايير الوقاية، والتخطيط، والإنذار المبكر.
-الوقوف على وجود إهمال، تقصير، أو أخطاء بشرية محتملة، سواء من حيث البنيات التحتية، أو تدبير المخاطر، أو الاستجابة الاستباقية.
-ترتيب الآثار القانونية في حال ثبوت مسؤوليات إدارية أو جنائية.
وبذلك، فإن البحث القضائي يشكّل أداة أساسية للتمييز بين ما هو قضاء وقدر، وما قد يكون نتيجة خلل بشري أو مؤسساتي.
دلالات تحرك النيابة العامة
تحرّك الوكيل العام للملك في هذا التوقيت يحمل عدة رسائل ودلالات:
1-ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة
فالكوارث الطبيعية، حين تتحول إلى مآسٍ بشرية بهذا الحجم، تفرض مساءلة منظومة التدبير العمومي، خصوصاً في ما يتعلق بالتعمير، وتصريف مياه الأمطار، وحماية الأرواح.
2-استقلالية النيابة العامة ويقظتها
المبادرة إلى فتح بحث قضائي تؤكد أن النيابة العامة لا تنتظر ضغطاً إعلامياً أو سياسياً، بل تتحرك تلقائياً كلما تعلق الأمر بوقائع تهدد السلامة العامة.
3-طمأنة الرأي العام وأسر الضحايا
إذ يشكّل هذا الإجراء رسالة واضحة مفادها أن الدولة، عبر أجهزتها القضائية، لن تتعامل مع الفاجعة كحدث عابر، بل كملف يستوجب الحقيقة والإنصاف.
من الكارثة الطبيعية إلى المسؤولية القانونية
صحيح أن السيول الفيضانية تُصنّف ضمن الظواهر الطبيعية، غير أن التجارب السابقة أثبتت أن حجم الخسائر البشرية غالباً ما يكون مرتبطاً بضعف الاستعداد، وسوء التخطيط، أو هشاشة البنية التحتية.
ومن هنا، فإن البحث القضائي قد يمتد ليشمل:
-مدى احترام تصاميم التهيئة ومعايير البناء.
-وضعية الأودية ومجاري المياه.
– فعالية أنظمة الإنذار والتدخل الاستعجالي.
-مسؤوليات الجماعات الترابية، والمصالح التقنية، والقطاعات المعنية.
وفي حال ثبوت إخلالات جسيمة، قد تتحول القضية من مجرد بحث تمهيدي إلى متابعات قضائية، وفق ما ينص عليه القانون الجنائي وقوانين التعمير والوقاية من المخاطر.
العدالة في مواجهة الألم الجماعي
إن فاجعة آسفي ليست مجرد أرقام في حصيلة مؤقتة، بل هي مأساة إنسانية أعادت إلى الواجهة سؤال الجاهزية، والحكامة، والتدبير الاستباقي للكوارث ، وفتح البحث القضائي يشكّل، في هذا السياق، خطوة أولى على طريق الحقيقة، لا لإطفاء الغضب فقط، بل لضمان عدم تكرار المأساة.
فالعدالة، حين تتحرك في مثل هذه اللحظات العصيبة، لا تبحث فقط عن المسؤول، بل تسعى إلى حماية الحياة مستقبلاً، وترسيخ ثقافة الوقاية بدل الاكتفاء بتدبير الكوارث بعد وقوعها.
مخرجات هذا المقال ، إن ما وقع بآسفي امتحان حقيقي لنجاعة السياسات العمومية في مواجهة المخاطر الطبيعية، وفتح البحث القضائي ليس نهاية المطاف، بل بداية مسار قد يعيد طرح أسئلة عميقة حول التنمية، والتخطيط، والمسؤولية، في مغرب لا يحتمل مزيداً من المآسي الصامتة.



