اخبار وطنية
من احتجاج مشروع إلى عصيان خطير: حين تتحول معركة الهدم إلى مواجهة مع الدولة

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
في مشهد يتكرر في عدد من المدن المغربية، تتحول لحظة تنفيذ قرار إداري بالهدم من مجرد إجراء قانوني إلى بؤرة توتر اجتماعي، قد تنزلق بسرعة من احتجاج سلمي مشروع إلى مواجهة مفتوحة مع القوات العمومية والسلطة المحلية، تتخللها أعمال عنف ورشق بالحجارة، بل وقد تصل إلى ما يشبه العصيان المدني، هذا التحول يطرح أسئلة عميقة حول الأسباب، التداعيات، والإطار القانوني المؤطر لمثل هذه الأفعال.
أولاً: كيف نفسر هذا التحول الخطير؟
لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن سياقه الاجتماعي والاقتصادي والقانوني. فغالباً ما يكون قرار الهدم مرتبطاً بالبناء العشوائي أو احتلال الملك العام أو مخالفة ضوابط التعمير، غير أن المواطن، في كثير من الحالات، لا يرى في القرار مجرد تطبيق للقانون، بل يعتبره تهديداً مباشراً للاستقرار الأسري والاجتماعي.
يمكن تفسير هذا التحول عبر ثلاثة مستويات:
1-هشاشة الثقة في المؤسسات:
حين يشعر المواطن أن القرار اتُّخذ دون إنصاف أو دون تمكينه من سبل الطعن أو التسوية، يتولد لديه إحساس بالظلم، مما يدفعه إلى ردود فعل انفعالية.
2-غياب التواصل والوساطة المسبقة:
في حالات كثيرة، يتم تنفيذ قرارات الهدم بشكل فجائي أو دون مواكبة اجتماعية كافية، وهو ما يفاقم الاحتقان ويحول الاحتجاج إلى مواجهة.
3-منطق “الدفاع عن الوجود”:
بالنسبة للبعض، المنزل ليس مجرد بناء مخالف، بل هو مأوى العائلة وثمار سنوات من العمل، مما يجعل مقاومة الهدم تُفهم كدفاع عن الكرامة والبقاء، حتى ولو بوسائل غير قانونية.
ثانياً: من الاحتجاج إلى العصيان المدني:
الاحتجاج حق دستوري، لكن ممارسته تخضع لضوابط قانونية واضحة، وعندما يتحول إلى:
-عرقلة تنفيذ قرار إداري.
-استعمال العنف ضد القوات العمومية.
-التجمهر المسلح أو شبه المسلح (بالحجارة مثلاً)،
فإن الأمر يخرج من دائرة الاحتجاج المشروع إلى دائرة الأفعال المجرّمة.
وهنا يصبح المشهد أقرب إلى عصيان مدني، ليس بمعناه الفلسفي السلمي، بل كحالة تمرد ميداني يهدد النظام العام وسلامة الأشخاص والممتلكات.
ثالثاً: ما هي الخطوة التي يجب اتخاذها؟
المعالجة لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل يجب أن تكون متعددة الأبعاد:
1-على مستوى السلطة العمومية:
-اعتماد مقاربة استباقية قائمة على الحوار والتواصل.
-تمكين المتضررين من آجال معقولة وتسويات قانونية عند الإمكان.
-مواكبة اجتماعية للأسر الهشة.
2-على مستوى المواطن:
-اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في قرارات الهدم.
-تجنب الانخراط في العنف، لما له من عواقب قانونية خطيرة.
-تأطير الاحتجاج في إطار قانوني وسلمي
3-على مستوى الوساطة:
-تدخل المنتخبين المحليين وفعاليات المجتمع المدني لتقريب وجهات النظر.
-خلق قنوات للتظلم قبل الوصول إلى لحظة التنفيذ.
رابعاً: ما هو الإطار القانوني المؤطر لهذه الأفعال؟
القانون الجنائي المغربي واضح في تجريم الاعتداء على القوات العمومية وعرقلة تنفيذ القرارات:
1-العنف ضد موظفين عموميين
ينص القانون الجنائي على معاقبة كل من يستعمل العنف أو التهديد ضد موظف عمومي أثناء قيامه بمهامه، بعقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة، وتُشدد إذا نتج عن ذلك جروح أو إصابات.
2-إهانة موظف عمومي
تجريم كل قول أو إشارة أو تهديد يمس بكرامة موظف أثناء أداء وظيفته.
3-التجمهر المسلح أو غير المسلح
القانون ينظم التجمهر ويمنع أي تجمع من شأنه الإخلال بالأمن العام، خاصة إذا صاحبه استعمال العنف أو رفض الامتثال لأوامر التفريق.
4-العصيان ومقاومة تنفيذ قرارات السلطة
كل عرقلة متعمدة لتنفيذ قرارات إدارية أو قضائية تُعد جنحة، وقد تتحول إلى جناية إذا اقترنت بالعنف أو التنظيم الجماعي.
خامساً: بين سيادة القانون والعدالة الاجتماعية:
يبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين:
-فرض احترام القانون وضمان هيبة الدولة.
-ومراعاة الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للقرارات الإدارية.
فالدولة القوية ليست فقط التي تُنفذ قراراتها، بل التي تُقنع مواطنيها بعدالتها، كما أن الاحتجاج المشروع لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للعنف أو تهديد الأمن العام.
مخرجات هذا المقال، ما يقع عند تنفيذ قرارات الهدم ليس مجرد خرق قانوني عابر، بل هو تعبير عن أزمة ثقة وتدبير، وبين مطرقة القانون وسندان الواقع الاجتماعي، يظل الحل في مقاربة متوازنة تُحصّن الدولة وتحفظ كرامة المواطن، بعيداً عن منطق المواجهة الذي لا يُنتج سوى مزيد من الاحتقان.



