اخبار منوعة

التنمية المستدامة في ميزان صيف 2026: هل تُبنى الأوطان بهاجس “التزكية” الانتخابية؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لصيف 2026، بدأت حرارة المشهد السياسي ترتفع تدريجياً، ليس بفعل النقاشات حول البرامج التنموية أو الحلول المبتكرة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بل بسبب ظاهرة مألوفة تتكرر مع كل استحقاق: “التهافت على التزكية الحزبية”. هذا المشهد يطرح مفارقة صارخة وسؤالاً جوهرياً يؤرق الرأي العام: كيف يمكن رهان بناء تنمية مستدامة، تتطلب رؤية استراتيجية ونكران ذات، على فاعل سياسي يبدو أن شغله الشاغل هو تأمين مقعده وتغيير جلده الحزبي بحثاً عن فرصة الفوز؟

لتفكيك هذه المعادلة المعقدة، لا بد من وضع الظاهرة في سياقها المؤسساتي والسياسي، وتحليل أثرها المباشر على مستقبل التنمية.

صراع الزمنين: التنمية الطويلة الأمد مقابل الانتخابات العابرة:
تقوم مفارقة هذه المعادلة على اصطدام إيقاعين زمنيين متناقضين؛ إيقاع التنمية المستدامة الذي يتطلب تخطيطاً بعيد المدى، وتضحيات قد لا تظهر نتائجها إلا بعد عقود، وإيقاع السياسي الباحث عن التزكية، والذي تحكمه “اللحظة” والمصلحة الفردية القصيرة الأمد.

متطلبات التنمية المستدامة: تحتاج إلى استقرار في الرؤى، تغليب للمصلحة العامة، شجاعة في اتخاذ قرارات هيكلية (في مجالات كالماء، التعليم، الصحة، والطاقة)، ومحاربة لاقتصاد الريع.

عقلية “التزكية”: تفرز مرشحاً يركز على استرضاء القواعد الانتخابية بوعود شعبوية سريعة، ويتجنب القرارات الجريئة التي قد تكلفه أصواتاً، مما يجعله غير قادر على قيادة مشاريع تنموية تتجاوز عمر ولايته الانتدابية.

جذور ظاهرة “الترحال السياسي” والبحث عن التزكية
لا يمكن تفسير تهافت المنتخبين على التزكيات دون النظر إلى البنية الحزبية والسياسية التي تفرز هذه الظاهرة، فالأمر ليس مجرد سلوك فردي، بل هو نتيجة لعدة عوامل بنيوية:

هشاشة الديمقراطية الداخلية للأحزاب: تغييب معايير الكفاءة والنزاهة في منح التزكيات لصالح معيار “القدرة على حصد الأصوات” (ظاهرة الأعيان)، مما يجعل الحزب مجرد آلة انتخابية وليس مدرسة لتفريخ النخب وتأطير المواطنين.

غياب التعاقد البرنامجي: حينما يغيب البرنامج الحزبي الواضح الذي يربط المرشح بالناخب، يصبح الانتماء الحزبي مجرد قميص يرتديه المرشح ويخلعه حسب اتجاه الرياح الانتخابية.

الريع السياسي: تحول الانتداب الانتخابي في بعض الحالات إلى وسيلة لحماية المصالح الخاصة أو تحقيق مكاسب شخصية، مما يجعل الحصول على التزكية مسألة “حياة أو موت” سياسي للبعض.

هل يمكن المراهنة على هؤلاء المرشحين؟
الجواب المباشر والواقعي هو أن المراهنة المطلقة على فاعلين تحركهم هواجس التزكية الفردية هي مغامرة غير محسوبة العواقب بمسار التنمية، فالمرشح الذي يجعل من الحزب مجرد “مظلة مؤقتة”، لن يتوانى عن جعل وعوده التنموية مجرد “شعارات مؤقتة” تنتهي بانتهاء الحملة.

ومع ذلك، في عالم السياسة، لا يمكن الركون إلى العدمية، فتغيير هذه المعادلة ممكن، ولكنه مشروط بانتقال جذري في ثقافة المؤسسات والمجتمع:

يقظة الناخب (العقاب الانتخابي): التنمية تبدأ من صندوق الاقتراع. وعي المواطن بأن صوته هو أداة محاسبة قادرة على إسقاط “تجار الانتخابات”، هو الضامن الأول لفرز نخب حقيقية.

تفعيل القوانين الرادعة: صرامة القوانين التنظيمية التي تمنع الترحال السياسي وتحاسب على تضارب المصالح وإهدار المال العام.

إصلاح المنظومة الحزبية: اضطلاع الأحزاب بدورها الدستوري في التأطير، وربط التزكية بالكفاءة والنظافة والالتزام بميثاق الحزب وبرنامجه التنموي.

مخرجات هذا المقال، إن التنمية المستدامة لا تنمو في تربة الانتهازية السياسية، إذا كانت تشريعيات صيف 2026 محطة حاسمة لمواجهة تحديات كبرى (كالجفاف، التضخم، ومؤسسة الدولة الاجتماعية)، فإن التحدي الأكبر يظل هو فرز نخبة سياسية تؤمن بأن “الوطن أبقى من المقعد”، وأن التاريخ يذكر بُناة الأوطان، بينما ينسى سريعاً جامعي الأصوات، فالمعادلة إذن واضحة: لا تنمية مستدامة بدون نخب مستدامة المبادئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى