الغيث والأمن حين تتقاطع نعمة السماء مع استقرار الأرض

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض﴾، وهي آية تختزل منطقًا ربانيًا راسخًا مفاده أن الغيث والأمن ليسا مجرد ظاهرتين طبيعيتين أو معطيين عابرين، بل نعمتان عظيمتان إذا اجتمعتا في بلد دلّ ذلك على عناية خاصة، وامتحان في الوقت ذاته.
بعد سنوات متتالية من شح التساقطات المطرية، وما رافقها من إجهاد للفرشة المائية وتراجع في الإنتاج الفلاحي وقلق اجتماعي مشروع، ها هو المغرب اليوم يستقبل أمطار الخير والبركات، في مشهد أعاد الأمل إلى النفوس، وطرح في الآن ذاته سؤال الدلالة والمعنى: كيف نفسر هذا التحول؟ وهل للأمر بعدٌ يتجاوز الحسابات المناخية والتقلبات الجوية؟
الغيث في الوعي الديني: رحمة لا تُختزل في الأرقام
في التصور الديني، الغيث ليس مجرد ماء نازل من السماء، بل هو رحمة إلهية، يقرنها القرآن الكريم غالبًا بالأمن والطمأنينة، باعتبارهما شرطين أساسيين لقيام العمران واستمرار الحياة، فحين يُنعم الله على بلد بالمطر، فهو يبعث رسالة مزدوجة: رسالة إحياء للأرض بعد موتها، ورسالة إحياء للضمير الإنساني ليراجع علاقته بالخالق وبالكون من حوله.
وقد عرف المغرب، تاريخيًا، ارتباطًا عميقًا بالغيث، ليس فقط كضرورة فلاحية، بل كرمز للبركة والاستقرار، فالدعاء الجماعي، وصلاة الاستسقاء، والابتهال، كلها ممارسات راسخة تعكس هذا الوعي الجمعي بأن الرزق بيد الله، وأن الأخذ بالأسباب لا ينفي التوكل، بل يكمله.
الأمن نعمة موازية للغيث :
لا يقل الأمن أهمية عن المطر، فكم من بلدان تنعم بخيرات طبيعية وافرة، لكنها تفتقد نعمة الاستقرار، فتتحول النعمة إلى نقمة، وفي هذا السياق، يبرز المغرب كاستثناء إقليمي نسبي، حيث ظل، رغم الإكراهات الاقتصادية والتحديات الاجتماعية، بلدًا ينعم بدرجة معتبرة من الأمن والاستقرار المؤسساتي.
إن اجتماع الغيث والأمن في لحظة واحدة ليس أمرًا عاديًا في منطق السنن الكونية، بل هو مؤشّر على توازن دقيق بين ما هو طبيعي وما هو قيمي، بين تدبير الإنسان لشؤونه، ولطف السماء بعبادها.
بين التفسير الإيماني والقراءة الواقعية :
لا يعني استحضار البعد الديني إلغاء التفسير العلمي، فالتغيرات المناخية، والدورات الجوية، والسياسات المائية، كلها عوامل حاضرة بقوة في تفسير عودة الأمطار، غير أن القراءة الشمولية تقتضي عدم فصل الأسباب عن المقاصد، ولا العلم عن القيم.
فالغيث الذي ينزل اليوم يضع المجتمع والدولة أمام مسؤولية مضاعفة: مسؤولية حسن التدبير، وعدم تبديد الموارد، وتعزيز العدالة المجالية، حتى تصل بركة السماء إلى كل ربوع الوطن دون استثناء.
نعمة تُختبر بالشكر لا بالاطمئنان الزائف :
إن أخطر ما قد يواجه المجتمعات بعد نزول الغيث هو وهم الاطمئنان، والعودة إلى منطق التبذير وسوء التدبير، فالشكر، في المنظور القرآني، ليس قولًا باللسان فقط، بل هو سلوك وسياسات، وعدالة في التوزيع، واستثمار رشيد للفرص.
لقد جاءت أمطار الخير لتُنعش الأرض، لكنها في العمق تُنعش سؤال الوعي والمسؤولية: هل نحسن قراءة الإشارات؟ وهل نحول النعمة إلى رافعة للتنمية المستدامة، أم نتركها تمر كحدث عابر؟
بالنتيجة ، حين يُنعم الله على بلد بالغيث والأمن معًا، فذلك ليس فقط علامة محبة، بل أيضًا رسالة تكليف، والمغرب، وهو يستقبل هذه الأمطار بعد سنوات من القحط، مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تحويل نعمة السماء إلى مشروع أرضي متكامل، يقوم على الحكامة، والتضامن، وحسن استثمار الموارد، حتى تظل البركة دائمة، لا موسمية.



