اخبار منوعة
«المغاربة من أهل البيت الشريف فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» بين الرمزية الدينية والخصوصية التاريخية للمغرب

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
تُتداول في الذاكرة الشعبية المغربية عبارة ذات حمولة رمزية قوية تقول: «المغاربة من أهل البيت الشريف فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، وهي عبارة لا تُقرأ بمعناها الحرفي أو العقدي الضيق، بقدر ما تُفهم في سياقها التاريخي والروحي والسياسي الذي ميّز المغرب عبر قرون، فما المقصود بها؟ وما حدودها؟ وأين تنتهي الرمزية لتبدأ الحقيقة التاريخية؟
أولًا: العبارة بين النص الديني والتأويل الشعبي
الشق الثاني من العبارة («فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون») هو اقتباس قرآني ورد في سياقات متعددة، ويُحيل في أصله إلى الطمأنينة الإيمانية المرتبطة بالاستقامة والتقوى، وليس إلى الانتماء العرقي أو الجغرافي، غير أن الوعي الشعبي المغربي استعار هذا التعبير ليمنحه دلالة رمزية جماعية، تُعبّر عن شعور بالأمان الروحي والقدر التاريخي.
أما الشق الأول («المغاربة من أهل البيت الشريف») فلا يُقصد به ادعاء أن كل المغاربة ينتسبون نسبًا مباشرًا إلى آل بيت النبي ﷺ، وإنما هو توصيف مجازي يرتبط بمكانة أهل البيت في التاريخ المغربي، وبحضورهم السياسي والديني والروحي العميق في بنية الدولة والمجتمع.
ثانيًا: حضور أهل البيت في التأسيس التاريخي للمغرب
منذ القرن الثاني الهجري، ارتبط المغرب ارتباطًا وثيقًا بآل البيت، ويتجلى ذلك بوضوح في:
-قيام الدولة الإدريسية على يد المولى إدريس بن عبد الله الكامل، وهو شريف حسني من آل البيت، فرّ إلى المغرب فاحتضنه الأمازيغ وبايعوه.
-الشرعية السياسية التي تأسست على البيعة، لا على السيف، وهو ما منح الحكم في المغرب بعدًا دينيًا وأخلاقيًا فريدًا.
-استمرار الحكم الشريف إلى يومنا هذا عبر الدولة العلوية الشريفة، التي تنحدر بدورها من النسب النبوي، مما جعل العلاقة بين الحكم والوجدان الديني علاقة متجذّرة لا طارئة.
من هنا، لم يكن أهل البيت في المغرب مجرد رموز دينية، بل فاعلين تاريخيين أسّسوا الدولة، ووحّدوا القبائل، وحموا الاستقلال، وصانوا المذهب والهوية.
ثالثًا: التصوف المغربي والانتساب الروحي لأهل البيت
إلى جانب البعد السياسي، لعب التصوف المغربي دورًا محوريًا في ترسيخ محبة أهل البيت والانتساب إليهم روحيًا لا نسبيًا. فالزوايا الكبرى:
-جعلت من آل البيت رمزًا للأخلاق، والاعتدال، وخدمة الناس.
-نشرت مفهوم «الشرف الروحي» القائم على السلوك والاستقامة، لا على الدم والنسب.
-أسهمت في بناء شخصية مغربية متدينة بلا تشدد، ومتعلقة بالرسول ﷺ وأهل بيته دون غلو.
وبذلك أصبح المغربي يشعر، وجدانيًا، أنه قريب من أهل البيت بالقيم والسلوك، لا بادعاء الامتياز.
رابعًا: العبارة كخطاب هوية لا كحكم ديني
من الخطأ قراءة العبارة باعتبارها تزكية جماعية أو ضمانًا دينيًا بالخلاص، فالإسلام لا يعترف بالعصمة الجماعية، ولا يربط النجاة بالانتماء الجغرافي أو العرقي. غير أن العبارة تُفهم باعتبارها:
-تعبيرًا عن خصوصية تاريخية اختار فيها المغرب طريق الاستقرار بدل الفتن.
-خطاب طمأنة ذاتي نابع من تجارب قاسية تجاوزها المغرب بالحكمة والشرعية.
-تلخيصًا لهوية دينية وطنية قوامها إمارة المؤمنين، والمذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني.
خامسًا: بين الوعي والواجب
إذا كان للمغاربة هذا الرصيد الرمزي والتاريخي المرتبط بأهل البيت، فإن ذلك لا يمنحنا حصانة أخلاقية تلقائية، بل يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة:
مسؤولية حفظ القيم، وصون الاستقرار، وربط الوطنية بالأخلاق، لا بالاستهلاك الشعاري للدين.
مخرجات هذا المقال ، إن عبارة «المغاربة من أهل البيت الشريف فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» ليست نصًا عقديًا ولا حكمًا غيبيًا، بل هي صيغة وجدانية مكثفة تختزل علاقة المغرب بالشرعية النبوية، وبالإسلام الوسطي، وبالتاريخ المستقر.
هي تعبير عن ثقة أمة في مسارها، لا ادعاء تفوق، ورسالة مفادها أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى إلا على الشرعية، والقيم، والوعي الجماعي.



