اخبار منوعة

بين تدابير البشر وإرادة السماء: قراءة في مقولة للشيخ محمد متولي الشعراوي

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

“لا تقلق من تدابير البشر، فأقصى ما يستطيعون فعله معك، هو تنفيذ إرادة الله”

في زمن تتعاظم فيه المخاوف، وتتداخل فيه المصالح، وتُحاك فيه التدابير في الخفاء والعلن، تبرز مقولة الشيخ محمد متولي الشعراوي كرسالة طمأنينة عميقة، تختزل فلسفة الإيمان في مواجهة القلق الإنساني، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وقدره، وبين ما يُدبَّر في الأرض وما يُقدَّر في السماء.

هذه العبارة ليست دعوة إلى الاستسلام أو السلبية، كما قد يظن البعض، بل هي تأكيد على حقيقة إيمانية مركزية مفادها أن البشر، مهما بلغ نفوذهم وقوتهم ودهاؤهم، يظلون أدوات ضمن سنن كونية أكبر منهم، تحكمها إرادة الله المطلقة، التي لا تُغلَب ولا تُخطئ.

تدابير البشر: وهم السيطرة

يعيش الإنسان المعاصر تحت ضغط دائم ناتج عن خوفه من “ما قد يفعله الآخرون به”: قرارات جائرة، مؤامرات، ظلم إداري، أو حتى خيانات شخصية، وفي خضم هذا القلق، ينسى الإنسان أن تدابير البشر، مهما بدت محكمة، تظل محدودة الأثر والزمان، لأنها صادرة عن عقول قاصرة ورؤى ناقصة.

الشيخ الشعراوي، بخبرته الروحية وقراءته العميقة للقرآن، يذكّرنا بأن البشر لا يخلقون النتائج النهائية، بل يساهمون فيها فقط، وأن ما يبدو شرًا خالصًا في ظاهره قد يكون باب خير في جوهره، لأن اليد التي تسمح بحدوث الأمر هي يد الحكمة الإلهية، لا العبث البشري.

إرادة الله: الاطمئنان الأعلى

الجزء الأخطر والأعمق في المقولة هو قوله: “هو تنفيذ إرادة الله”، هنا ينتقل الخطاب من مستوى التحليل الاجتماعي إلى مستوى اليقين العقدي، فالله، في التصور الإسلامي، لا يُفاجَأ بالأحداث، ولا تُفرض عليه الوقائع، بل كل ما يقع إنما يقع بعلمه وإذنه، ووفق ميزان عدل قد يتأخر إدراكه لكنه لا يختل.

هذا الفهم يمنح الإنسان راحة داخلية نادرة: راحة من الانتقام، وراحة من الهلع، وراحة من الشعور بالعجز، فمن أيقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، تحرر من عبودية الخوف، واستعاد توازنه النفسي والروحي.

بين الإيمان والعمل: لا تعارض

لا تعني هذه المقولة أن يتخلى الإنسان عن السعي أو مقاومة الظلم أو المطالبة بالحق، بل تعني أن يفعل كل ذلك دون هلع، ودون يأس، ودون شعور بأن مصيره مرهون بأشخاص أو مؤسسات، فالإيمان بإرادة الله لا يلغي العمل، بل يطهّره من القلق المرضي، ويجعله أكثر اتزانًا وصدقًا.

رسالة معاصرة بامتياز

في عالم اليوم، حيث تتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تكتسب هذه المقولة راهنيتها من جديد، إنها دعوة لمجتمع أنهكته الحسابات الضيقة، ليعيد وصل ما انقطع بين الإيمان والواقع، وبين الثقة بالله ومواجهة التحديات.

الاستنتاج ، لا يمكن قراءة مقولة الشعراوي ككلمات وعظية عابرة، بل كمنهج حياة كامل، يعلّم الإنسان أن يعيش مطمئنًا دون أن يكون غافلًا، قويًا دون أن يكون متكبرًا، ومؤمنًا بأن تدابير البشر، مهما اشتدت، لا تخرج في النهاية عن كونها جزءًا من إرادة إلهية أوسع، أعدل، وأرحم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى