اخبار منوعة
سهام العدو بوصلة الحقيقة

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
سُئل الإمام الشافعي يوماً: كيف نعرف أهل الحق في زمن الفتن؟
فأجاب بعبارة مكثفة وعميقة الدلالة: “اتبع سهام العدو فهي ترشدك إليهم.”
هذه الجملة القصيرة تختزل فلسفة كاملة في قراءة الواقع السياسي والفكري، وتفتح باباً واسعاً لفهم معايير الاصطفاف في أزمنة الاضطراب.
في زمن الفتن تختلط الشعارات بالمصالح، وتتشابك الرايات حتى يصعب التمييز بين الصادق والمدّعي، هنا يقترح الشافعي معياراً غير تقليدي:
لا تنظر فقط إلى من يمدح نفسه، بل انظر إلى من يستهدفه خصومه.
فـ”سهام العدو” ليست بالضرورة سهاماً مادية، بل قد تكون: حملات تشويه، تحريضاً إعلامياً، تضييقاً سياسياً،محاولات إسقاط معنوي أو اجتماعي.
حين تتكاثر السهام على شخص أو تيار لأنه يقف في وجه الظلم أو الفساد أو الانحراف، فغالباً ما يكون ذلك مؤشراً على أنه يمسّ مصالح قائمة لا تريد أن تُمس.
فالعدو ـ في سياق المقولة ـ لا يعادي عبثاً، بل يعادي من يهدد نفوذه أو يفضح باطله.
معيار “ردة الفعل” لا “الشعار”
في زمن الفتن، الكل يدّعي الدفاع عن الحق، لكن الفرق يظهر عند لحظة المواجهة.
من يزعج الفاسدين؟
من يقلق أصحاب الامتيازات غير المشروعة؟
من يُحارب لأنه يطالب بالإصلاح لا لأنه يساوم؟
الشافعي هنا لا يدعونا إلى العاطفة، بل إلى التحليل الواقعي:
راقب من يُستهدف عندما تُمسّ المصالح الكبرى، وستعرف أين يقف الحق غالباً.
فالحق بطبيعته مقلق لمن يقوم وجوده على الباطل.
هل ينطبق ذلك على عصرنا؟
عصرنا أكثر تعقيداً من أي زمن مضى. فـ”السهام” اليوم قد تأتي عبر:
-منصات التواصل الاجتماعي.
-غرف الأخبار.
-تقارير مدفوعة.
-حملات رقمية منظمة.
لم تعد المعركة فقط بالسيف، بل بالصورة والرواية والانطباع.
كثير من الشخصيات أو الأصوات التي ترفع مطالب الإصلاح أو تكشف ملفات حساسة تتعرض لهجمات مركزة، السؤال هنا:
هل الهجوم دليل حق مطلق؟
بالطبع لا.
فالقاعدة ليست مطلقة، لكنها مؤشر يحتاج إلى تحليل، إذ قد يُستهدف الإنسان لأنه على حق، وقد يُستهدف لأنه متطرف أو لأنه يهدد استقراراً مشروعاً.
لذلك فمقولة الشافعي تقدم بوصلة أولية لا حكماً نهائياً.
بين الحكمة وسوء الفهم
أخطر ما يمكن هو تحويل المقولة إلى قاعدة عمياء:
“كل من يُهاجَم فهو على حق.”
هذا تبسيط مخلّ.
فالحق يُعرف بمجموع القرائن:
عدالة الفكرة، أخلاقية السلوك، سلامة المنهج، موقفه من القيم الكبرى كالعدل والرحمة والإنصاف لكن حين تجتمع هذه المعايير، ويأتي الهجوم مركزاً من أصحاب المصالح المتضررة، تصبح سهامهم دليلاً غير مباشر على إصابة الهدف.
قراءة سياسية واجتماعية للمقولة
في المجتمعات التي تعيش تحولات سياسية أو أزمات ثقة، غالباً ما تتشكل “آلة تشويه” ضد كل صوت يطالب بالإصلاح الحقيقي،
يُتهم بالتهور، بالتطرف، بعدم الوطنية، أو بالسعي لزعزعة الاستقرار.
لكن التاريخ يخبرنا أن كثيراً من دعاة الإصلاح في عصورهم كانوا موضع استهداف قبل أن يصبحوا رموزاً لاحقاً.
ففي زمن الفتن، لا يكون معيار الحق هو التصفيق، بل أحياناً حجم الضيق الذي يسببه لمن اعتادوا الامتيازات.
يمكن ان نستنتج أن بوصلة تحتاج إلى وعي،
فمقولة الإمام الشافعي ليست دعوة للانحياز الأعمى، بل دعوة لقراءة المشهد بذكاء.
إذا أردت أن تعرف أين يقف الحق في زمن الاضطراب، فلا تكتفِ بالشعارات .
راقب اتجاه السهام، وافهم دوافعها، وحلّل طبيعة من يطلقها.
فالحق في الغالب يُقاوَم قبل أن يُعترف به،
ويُحارَب قبل أن يُنتصر له.
وفي زمن تتعدد فيه المنصات وتتشابك فيه المصالح، تبقى الحكمة الشافعية درساً في فقه الواقع:
ليس كل مستهدف مظلوماً، لكن كثيراً من أهل الحق كانوا كذلك.
وهنا تبدأ مسؤولية القارئ الواعي:
أن يُحسن التمييز، وأن لا يخدعَه الضجيج،
وأن يجعل من العقل ميزانه الأول في زمن الفتن.



