اخبار منوعة

سورة الأعراف: صراع الإنسان بين الهداية والهوى

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
في البناء الكلي للقرآن الكريم، تحتل سورة الأعراف مكانة متميزة بوصفها من السور المكية الطوال، إذ تأتي في المرتبة السابعة من حيث الترتيب، وتضم 206 آيات، وتُعدّ من أكثر السور القرآنية عرضًا لقصص الأنبياء في سياق جدلي يواجه الشرك والاستكبار، ويؤسس لعقيدة التوحيد على قاعدة العقل والتاريخ والمصير.
أولاً: أسباب النزول سياق المواجهة العقدية
سورة الأعراف مكية في غالبها، وقد نزلت في مرحلة اشتد فيها الصراع بين الدعوة الإسلامية الناشئة في مكة وزعماء قريش، حيث لم ترد أسباب نزول خاصة بكل آياتها، لكن سياقها العام يرتبط بعدة محاور:
1-مواجهة إنكار المشركين للبعث والوحي:
فقد كانت قريش تجادل في حقيقة الرسالة، وتطالب بالآيات الحسية، فجاءت السورة تؤكد أن القرآن كتاب أُنزل للإنذار والتذكير، لا للمساومة أو الاستعراض.
2-تثبيت النبي ﷺ والمؤمنين الأوائل:
عبر استعراض قصص الأنبياء السابقين، من آدم إلى نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام، لبيان أن طريق الدعوة محفوف بالتكذيب، لكن العاقبة للمتقين.
3-التحذير من سنة الاستدراج:
أي أن إمهال الظالمين ليس دليلاً على رضا الله عنهم، بل قد يكون استدراجًا قبل الأخذ الشديد.
السورة إذن نزلت في سياق صراع فكري وعقدي، لتؤسس رؤية شاملة للصراع بين الحق والباطل عبر التاريخ.
ثانيًا: البناء الموضوعي دراما قرآنية كبرى
يمكن تقسيم السورة إلى محاور كبرى مترابطة:
1-قصة الخلق والاختبار: من آدم إلى إبليس
تفتتح السورة بقصة خلق آدم عليه السلام، وسجود الملائكة، ورفض إبليس، ثم الهبوط إلى الأرض.
هذه القصة ليست مجرد سرد تاريخي، بل تأسيس لفكرة مركزية:
الإنسان كائن مختبر بين وحي الله ووسوسة الشيطان.
“يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة…”
يتكرر النداء: يا بني آدم، تأكيدًا على وحدة الأصل ووحدة المصير.
2-قصص الأنبياء سنة الصراع
تعرض السورة سلسلة من المواجهات التاريخية:
نوح مع قومه،هود مع عاد، صالح مع ثمود ولوط مع قومه، وشعيب مع مدين،وموسى مع فرعون.
القاسم المشترك بينها:
دعوة إلى التوحيد ، وتكذيب واستكبار وإنذار، ونجاة المؤمنين وهلاك المكذبين.
وهنا تتجلى “سنة التاريخ القرآنية”:
المجتمعات التي تفسد وتكذب مصيرها الزوال مهما طال الزمن.
3-مشهد الأعراف بين الجنة والنار
من أكثر مشاهد السورة تأثيرًا: مشهد “الأعراف”، وهم قوم على سور بين الجنة والنار، يعرفون أهل الجنة وأهل النار بسيماهم.
هذا المشهد يجسد لحظة فاصلة بين الرجاء والخوف، ويؤكد عدالة الله المطلقة، وأن المصير ليس عشوائيًا بل نتيجة للاختيار الحر في الدنيا.
ثالثًا: الغاية الكبرى بناء وعي إنساني مسؤول
سورة الأعراف ليست مجرد حكايات تاريخية، بل خطاب موجه للإنسان في كل زمان، ويمكن تلخيص غاياتها في:
1-ترسيخ التوحيد
التأكيد أن العبادة لا تكون إلا لله، وأن كل أشكال الشرك انحراف عن الفطرة.
2-التحذير من الغرور الحضاري
الأمم السابقة كانت قوية ومتقدمة، ومع ذلك هلكت بسبب الظلم والكفر.
3-ربط الأخلاق بالعقيدة
الفساد الأخلاقي ليس معزولًا عن الانحراف العقدي، بل هو نتيجة له.
4-تحميل الإنسان مسؤولية الاختيار
لا عذر لأحد بعد مجيء الرسل ووضوح الآيات.
رابعًا: الرسالة الموجهة إلى الإنسان المعاصر
في زمن تتعدد فيه المرجعيات، وتختلط فيه القيم، تأتي سورة الأعراف برسالة واضحة:
-لا تنخدع بالقوة المادية وحدها.
-لا تكرر أخطاء الأمم السابقة.
-لا تتبع الهوى على حساب الوحي.
-التاريخ ليس أحداثًا عابرة، بل دروسًا متكررة.
والأهم من ذلك:
أن المعركة الحقيقية ليست بين إنسان وآخر، بل بين الحق والباطل داخل نفس الإنسان.
خامسًا: أبعاد فكرية وحضارية
إذا قرأنا السورة قراءة معاصرة، نجد أنها تؤسس لثلاثة مبادئ حضارية كبرى:
1-المساءلة الجماعية:
المجتمعات مسؤولة عن خياراتها.
2-العدل الإلهي المطلق:
لا يُظلم أحد مثقال ذرة.
3-سنة التداول:
لا بقاء لظلم أو طغيان مهما طال أمده.
مخرجات هذا المقال ، إن سورة الأعراف ترسم مشهدًا كونيًا واسعًا يبدأ بخلق الإنسان وينتهي بمصيره الأبدي.
هي سورة “الاختبار”، و“التحذير”، و“الإنذار”، لكنها أيضًا سورة “الرجاء”.
تضع الإنسان أمام سؤال جوهري:
هل تختار طريق آدم في التوبة، أم طريق إبليس في الاستكبار؟
إنها سورة تعيد صياغة وعي الإنسان بذاته، وبالتاريخ، وبالمصير.
وهي دعوة مفتوحة لكل قارئ أن يقف لحظة تأمل بين الجنة والنار قبل أن يقف يومًا على الأعراف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى