اخبار منوعة

سورة الأنعام: بيان التوحيد في مواجهة الجاهلية ورسالة الوعي والمسؤولية للإنسان

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
تُعدّ سورة الأنعام من السور المكية العظيمة، وهي السورة السادسة في ترتيب المصحف الشريف، وتضم 165 آية، نزلت – وفق ما رجحه جمهور المفسرين – جملةً واحدة في مكة، في مرحلة اشتدّ فيها جدال المشركين للنبي ﷺ، وتصاعدت فيها حملات التشكيك في العقيدة والوحي والرسالة، فجاءت السورة خطابًا عقديًا قويًا، يرسي دعائم التوحيد، ويهدم أصول الشرك، ويعيد ترتيب وعي الإنسان تجاه ربه ونفسه والكون من حوله.
أولًا: أسباب النزول سياق المواجهة العقدية
نزلت سورة الأنعام في سياق مكي خالص، حيث كانت قريش تمارس ألوانًا من الشرك، من عبادة الأصنام، وتحريم بعض الأنعام بغير علم، ونسبة التشريع إلى غير الله، ومن أبرز الملابسات التي عالجتها السورة:
1-الرد على عقيدة الشرك
كانت قريش تقرّ بوجود الله خالقًا، لكنها تشرك به في العبادة، فجاءت السورة لتقرر أن الخلق والرزق والتدبير أدلة قاطعة على استحقاق الله وحده للعبادة.
2-إبطال تحريم الأنعام بغير سلطان
كان المشركون يبتدعون أحكامًا في الأنعام (كالبحيرة والسائبة والوصيلة)، وينسبونها إلى الله زورًا، فسمّيت السورة بـ”الأنعام” لأنها فصّلت القول في هذا الباب، وكشفت زيف التشريع البشري حين ينفصل عن الوحي.
3-مواجهة طلب المعجزات التعجيزية
طالب المشركون بآيات حسية خاصة، فجاء الرد بأن الهداية ليست رهينة بالخوارق، بل بسلامة القلب واستعداده لقبول الحق.
4-تثبيت النبي ﷺ في وجه التكذيب
أكدت السورة أن الرسل قبله قد كُذّبوا وصبروا، وأن سنة الله ماضية في نصرة الحق ولو بعد حين.
ثانيًا: الغاية الكبرى ترسيخ التوحيد الشامل
الغاية المركزية لسورة الأنعام هي بناء التوحيد في الوعي الإنساني بناءً متكاملاً، ليس مجرد إقرار لفظي، بل رؤية شاملة للحياة.
1-توحيد الربوبية والألوهية
تبدأ السورة بإعلان الحمد لله خالق السماوات والأرض، لتربط بين الخلق والعبادة. فكما أنه الخالق المدبر، فهو وحده المستحق للعبادة والتشريع والطاعة.
2-تحرير العقل من الخرافة
تُخاطب السورة العقل بالحجة والبرهان، وتستنكر اتباع الظن والتقليد الأعمى:
-تدعو إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض.
-تكشف تناقضات المشركين في تحريم الأنعام وتحليلها.
-تؤسس لمبدأ: لا تشريع إلا بوحي.
3-تصحيح مفهوم الحاكمية والتشريع
تقرر السورة أن الحكم لله وحده، وأن تحكيم غير شرعه نوع من الشرك. وهذا المعنى يتجلى في آيات عدة تؤكد أن مصدر التحليل والتحريم هو الله لا البشر.
ثالثًا: الرسالة الموجهة إلى الإنسان وعي ومسؤولية
سورة الأنعام لا تخاطب مشركي مكة فقط، بل تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان، برسائل متعددة الأبعاد:
1-رسالة الوعي
الإنسان مدعو إلى أن يكون واعيًا بعقيدته، رافضًا لكل صور الشرك الظاهرة والخفية، سواء في العبادة أو في القيم أو في التشريع.
2-رسالة المسؤولية الفردية
تقرر السورة مبدأ عظيمًا:
“ولا تزر وازرة وزر أخرى”
أي أن كل إنسان مسؤول عن اختياره، ولا يحمل ذنب غيره. إنها دعوة لتحمل المسؤولية الأخلاقية الكاملة.
3-رسالة العدالة والاعتدال
في ختام السورة، تأتي وصايا جامعة تُعرف بـ”الوصايا العشر” في سورة الأنعام، تتضمن:
-تحريم الشرك.
-الإحسان إلى الوالدين.
-تحريم قتل النفس.
-الوفاء بالكيل والميزان.
-العدل في القول والحكم.
وهي مبادئ تشكل ميثاقًا أخلاقيًا عالميًا يتجاوز حدود الزمان والمكان.
4-رسالة الثبات أمام ضغط الواقع
كما واجه النبي ﷺ بيئة معاندة، يواجه الإنسان المعاصر ضغوطًا فكرية وأخلاقية، والسورة تعلمه أن الحق لا يُقاس بالكثرة، بل بالدليل والبرهان.
رابعًا: البعد الحضاري للسورة
سورة الأنعام لا تكتفي ببناء الفرد، بل تؤسس لنهضة مجتمع قائم على:
-توحيد المرجعية.
-سيادة العدل.
-احترام الحياة.
-صيانة المال.
-حماية القيم.
إنها تبني إنسانًا موحدًا، عاقلاً، حرًا من الخرافة، خاضعًا لله وحده، لا للهوى ولا للعرف الفاسد .
مخرجات هذا المقال ، تبقى سورة الأنعام وثيقة إيمانية وفكرية عميقة، تُعيد للإنسان تعريف علاقته بربه وبالكون وبنفسه، إنها سورة تحرير:
تحرير من الشرك،تحرير من الوهم،
وتحرير من الاستسلام للتقاليد الباطلة.
وفي زمن تتعدد فيه المرجعيات وتختلط فيه المفاهيم، تعود سورة الأنعام لتقول للإنسان:
اعرف ربك، اعرف رسالتك، وامضِ في طريق الحق ولو كنت وحدك، فهي ليست مجرد سورة تُتلى، بل مشروع وعيٍ يُبنى، ومسار حياةٍ يُختار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى