اخبار منوعة

سورة التوبة: براءةٌ في وجه النفاق ورسالةُ حسمٍ في زمن التحوّلات

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
في السنة التاسعة للهجرة، وفي لحظة فارقة من تاريخ الدولة الإسلامية الناشئة، نزلت سورة التوبة، المعروفة أيضًا باسم “براءة”، لتعلن مرحلة جديدة عنوانها الوضوح والحسم وترتيب العلاقة بين الداخل والخارج، فهي السورة الوحيدة في القرآن الكريم التي لم تُستفتح بالبسملة، في إشارة رمزية قوية إلى أن مضمونها يحمل إعلان مفاصلة وبراءة من عهود نُقضت، ومواقف كُشف زيفها.
سياق النزول: عام الوفود وغزوة تبوك
نزلت السورة في أجواء ما بعد غزوة تبوك سنة 9 هـ، حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم بجيش المسلمين لمواجهة خطر الروم وحلفائهم في الشمال، بحيث كانت الظروف قاسية: حرّ شديد، مسافة بعيدة، وضيق في الموارد، في هذا المناخ تمايزت الصفوف، وظهرت حقيقة المنافقين الذين تثاقلوا عن الخروج واعتذروا بأعذار واهية.
كما ارتبط نزول السورة بإعلان البراءة من المشركين الذين نقضوا العهود، وقد أُرسل الصحابي علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليتلو صدر السورة في موسم الحج، معلنًا انتهاء مرحلة من التعايش القائم على عهود لم تُحترم.
أسباب النزول: بين نقض العهود وفضح النفاق
يمكن إجمال أسباب النزول في محاور أساسية:
1-نقض بعض المشركين لعهودهم مع المسلمين: فجاءت السورة لتعلن البراءة منهم ومن التزامات لم يعودوا أهلًا لها، مع الإبقاء على احترام العهود التي لم تُنقض.
2-فضح المنافقين وكشف مخططاتهم: خصصت السورة حيزًا واسعًا للحديث عن صفاتهم النفسية والسلوكية، من تثبيط للعزائم، وبثّ للإشاعات، وبناء “مسجد الضرار” للتفريق بين المؤمنين.
3-تنظيم العلاقة المالية والاجتماعية داخل الدولة: فتناولت أحكام الزكاة ومصارفها، مؤكدة أن العدالة الاجتماعية جزء من صميم الرسالة.
4-إعادة ترتيب الأولويات في زمن القوة: فبعد فتح مكة وتثبيت أركان الدولة، لم يعد مقبولًا استمرار حالة الغموض في المواقف.
الغاية الكبرى: تطهير الصف الداخلي
لم تكن سورة التوبة دعوة إلى القطيعة من أجل القطيعة، بل كانت مشروع تطهير شامل:
-تطهير سياسي: بإعادة ضبط العلاقة مع القوى التي تتربص بالمجتمع.
-تطهير عقدي: بتمييز المؤمن الصادق من المنافق المتلوّن.
– تطهير اجتماعي: بإرساء مبدأ التكافل عبر نظام الزكاة الواضح.
لقد أكدت السورة أن قوة الأمة لا تقاس بعددها فقط، بل بصدقها الداخلي وتماسكها الأخلاقي.
الرسالة الربانية إلى الإنسان: الصدق أولًا
رغم خصوصية سياقها التاريخي، فإن الرسالة الربانية في سورة التوبة تتجاوز الزمان والمكان، ويمكن تلخيصها في جملة من القيم الكبرى:
1-المسؤولية الفردية: لا يكفي الانتماء الشكلي، بل المطلوب موقف عملي عند الشدائد.
2-الوفاء بالعهد: العهد قيمة أخلاقية عليا، ونقضه ينسف الثقة ويهدد الاستقرار.
3-الشفافية في المواقف: النفاق أخطر من العداء الصريح، لأنه ينخر البنيان من الداخل.
4-التوبة باب مفتوح: على الرغم من لهجة الحسم، فإن السورة تختم بفتح باب الأمل: “لقد جاءكم رسول من أنفسكم…”، مؤكدة رحمة الله وقبوله لتوبة الصادقين.
بين الحزم والرحمة: توازن الرسالة
قد تبدو السورة في ظاهرها صارمة، لكنها في جوهرها دعوة إلى النضج الجماعي، فهي تعلم الإنسان أن الرحمة لا تعني التساهل مع الخيانة، وأن التسامح لا يكون على حساب القيم، كما تؤكد أن المجتمع السليم هو الذي يواجه اختلالاته بشجاعة، لا الذي يدفنها تحت شعارات زائفة.
مخرجات هذا المقال ، إن سورة التوبة ليست مجرد سجل لأحداث تاريخية، بل وثيقة إصلاحية متكاملة، إنها دعوة دائمة إلى مراجعة الذات، وإعادة ترتيب الأولويات، وتغليب الصدق على المصلحة الضيقة.
وفي زمن تتعدد فيه أشكال النفاق الاجتماعي والسياسي، تبقى رسالتها حاضرة: لا نهضة بلا وضوح، ولا استقرار بلا عدالة، ولا إيمان بلا صدق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى