عندما يصبح الفساد خطابًا لا قضية: قراءة في انزلاق النخبة السياسية نحو “الفساد الانطباعي”

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
لم يعد الفساد في الخطاب السياسي المعاصر حقيقة قانونية أو اقتصادية تُقاس بالوقائع والأرقام والمسؤوليات، بقدر ما تحوّل إلى مفهوم مطاطي، مُلغّم، يُستعمل بانتقائية عالية لتصفية الحسابات السياسية، وتبرير المواقف، وإعادة ترتيب المواقع داخل المشهد العام. هكذا برز ما يمكن تسميته بـ “الفساد الانطباعي”، مقابل غياب أو تهميش الفساد الحقيقي البنيوي الذي يمس حياة المواطنين ومصالحهم المباشرة.
من محاربة الفساد إلى استثماره سياسياً
في الأصل، يُفترض أن يكون الفساد قضية دولة ومجتمع، تُعالج عبر مؤسسات مستقلة، وآليات مساءلة واضحة، وربط صارم للمسؤولية بالمحاسبة، غير أن جزءًا من النخبة السياسية اختار طريقًا أسهل وأقل كلفة: تسييس الفساد بدل محاربته،
فصار يُستحضر كشعار عند الحاجة، ويُغيب عندما يقترب من دوائر النفوذ أو المصالح المتشابكة.
الفساد هنا لا يُدان لأنه فساد، بل لأنه يخدم أو لا يخدم موقعًا سياسياً معينًا، حيث تُضخَّم بعض القضايا الهامشية إعلاميًا، بينما تُدفن ملفات كبرى ذات أثر مباشر على المال العام والخدمات الأساسية.
الفساد الانطباعي: صناعة صورة بدل كشف حقيقة
الفساد الانطباعي لا يعتمد على الإثبات، بل على الإيحاء. لا يحتاج إلى تقارير قضائية أو افتحاص مالي، بل إلى خطاب شعبوي، وعناوين مثيرة، وتسريبات انتقائية.
الغاية ليست حماية المال العام، بل صناعة انطباع أخلاقي زائف يمنح المتكلم شرعية رمزية، ويُخفي عجزه عن تقديم حلول واقعية لمشاكل البطالة، والصحة، والتعليم، وغلاء المعيشة.
وهنا تكمن الخطورة: حين يتحول الفساد إلى أداة خطابية، يفقد معناه الحقيقي، ويصبح المواطن عاجزًا عن التمييز بين الفاسد فعلاً، ومن يُتهم فقط لأنه خارج “التوافق السياسي”.
تبرير الفشل وإفراغ السياسة من مضمونها
في كثير من الحالات، يُستعمل مفهوم الفساد الانطباعي لتبرير الفشل في تدبير الشأن العام. بدل الاعتراف بسوء التخطيط أو غياب الرؤية أو ضعف الكفاءة، يُلقى اللوم على “الفساد” ككيان غامض، بلا أسماء ولا محاسبة.
وهكذا تتحول السياسة إلى فن للهروب من المسؤولية، لا أداة لخدمة الصالح العام.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يُنتج نخبة تتعايش مع الفساد الحقيقي، بل وتستفيد منه، ما دامت قادرة على توجيه أصابع الاتهام بعيدًا عن مراكز الخلل الفعلية.
النتيجة: مواطن مُنهك وفقدان للثقة
الضحية الأولى لهذا الانحراف ليست الدولة ولا النخب، بل المواطن.
مواطن يرى الفساد حاضرًا في حياته اليومية، في الإدارة، في الخدمات، في تكافؤ الفرص، لكنه لا يراه يُحاسَب فعليًا.
ومواطن يسمع خطابات صاخبة عن النزاهة، دون أن يلمس أثرها في واقعه.
هكذا تتآكل الثقة في السياسة، وتتحول المشاركة إلى لامبالاة، ويُفتح المجال أمام الشعبوية، أو الانسحاب الجماعي من الشأن العام.
مخرجات هذا المقال ، الفساد الحقيقي لا يُحارب بالشعارات ولا بالانطباعات، بل بالمؤسسات القوية، والقضاء المستقل، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية.
أما الاستمرار في توظيف “الفساد الانطباعي” كأداة سياسية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الأخلاقية، وتوسيع الهوة بين النخبة والمجتمع، وتحويل السياسة من وسيلة إصلاح إلى مسرح عبثي لتبادل الاتهامات.
وفي زمن الأزمات، لا يحتاج المواطن إلى خطابات تُجيد تسمية الداء، بل إلى إرادة صادقة تجرؤ على لمسه ومعالجته من الجذور.



