خسر المغرب الكأس لكنه ربح احترام العالم

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
لم يكن نهائي كأس أمم أفريقيا مجرد مباراة في كرة القدم، بل كان اختباراً لصورة بلد بأكمله أمام أنظار القارة والعالم، صحيح أن المنتخب المغربي لم ينجح في رفع الكأس، لكن ما تحقق خارج المستطيل الأخضر بدا أكبر من لقب عابر: لقد ربح المغرب احتراماً دولياً جديداً، وترسخت صورته كأمة قادرة على التنظيم الراقي والتنافس الشريف والروح الرياضية العالية.
منذ الإعلان عن احتضان المغرب للبطولة، دخلت البلاد في ورش وطني شامل: الملاعب، البنيات التحتية، شبكات النقل، والخدمات اللوجستية كلها تحولت إلى واجهة حضارية تعكس قدرة دولة على التفكير بعيد المدى، وخلال أسابيع المنافسة، تابع العالم كيف تحولت المدن المغربية إلى فضاءات احتفال آمن، حيث اختلطت الجماهير الأفريقية في أجواء أخوة لم تعكر صفوها سوى الحسابات الضيقة لبعض الأصوات المعزولة.
وعندما جاءت الخسارة في المباراة الحاسمة، لم ينهَر المشهد كما يحدث في تجارب أخرى، لم نرَ شغباً ولا عنفاً ولا خطاب كراهية، رأينا جمهوراً يصفق للمنتخب رغم الألم، ورأينا لاعبين يقدمون التهنئة لخصومهم، ورأينا بلداً يتعامل مع الهزيمة باعتبارها جزءاً من اللعبة لا نهاية العالم، هنا بالتحديد وُلد «الانتصار الأخلاقي» الذي تحدث عنه الإعلام الدولي.
الواقع الجديد يتجاوز حدود الرياضة. فالمغرب قدم نموذجاً لدولة تؤمن بقوتها الناعمة: الثقافة، الضيافة، الاستقرار، والانفتاح على محيطها الأفريقي.
فالمنتخبات المشاركة، حتى تلك التي غادرت مبكراً، أشادت بجودة التنظيم ودفء الاستقبال، الجماهير الأجنبية عادت إلى بلدانها بصور إيجابية ستتحول مستقبلاً إلى سياحة واستثمار وشراكات.
أما على المستوى الرياضي الصرف، فقد أثبت المنتخب المغربي أنه رقم ثابت في معادلة الكرة القارية.
فالوصول إلى الأدوار المتقدمة لم يعد مفاجأة بل قاعدة، واللاعبون الشباب اكتسبوا خبرة ستجعل الأجيال المقبلة أكثر صلابة، فالخسارة هنا ليست تراجعاً، بل محطة في مسار بناء طويل بدأ منذ مونديال قطر وما زال مستمراً.
الأهم أن المغرب ربح معركة السردية، فبدل أن تُختزل البطولة في نتيجة نهائية، تحولت إلى قصة نجاح جماعي: متطوعون، أمن، أطر طبية، إعلاميون، ومواطنون صنعوا صورة بلد يعرف كيف يحتفل وكيف يحزن بكرامة، هذه الصورة هي الكأس الحقيقية التي لا تُسلَّم على منصة، بل تُحفر في ذاكرة الشعوب.
قد يخسر فريق مباراة، لكن الأوطان لا تُقاس بالألقاب فقط، بل تُقاس بقدرتها على احترام المنافس، وعلى تحويل الرياضة إلى جسر للتلاقي لا إلى ساحة للصراع.
وهذا بالضبط ما فعله المغرب: خسر الكأس، نعم، لكنه ربح ما هو أبقى… ربح احترام العالم وثقته في مستقبل بلد اختار أن يكون كبيراً في الفوز كما في الهزيمة.



