المغرب أولاً: السيادة الوطنية في مواجهة الولاءات العابرة للحدود

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
في زمن تتشابك فيه المصالح الدولية وتتنافس فيه المشاريع الإقليمية على النفوذ والتأثير، يبرز سؤال جوهري داخل المجتمعات العربية والإسلامية: كيف يمكن حماية الدولة الوطنية من اختراقات الولاءات الخارجية التي قد تتخفى أحياناً خلف شعارات دينية أو أيديولوجية؟ وفي المغرب، يكتسب هذا السؤال حساسية خاصة بالنظر إلى خصوصية النموذج الديني والسياسي الذي استطاعت المملكة أن ترسخه عبر قرون من التاريخ.
إن الدعوة إلى تصفية المشهد السياسي من أي ولاءات خارجية ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل هي تعبير عن وعي عميق بضرورة حماية السيادة الوطنية وصون الهوية الدينية والثقافية للمجتمع المغربي. فالمغرب لم يكن يوماً أرضاً لازدواجية الانتماء أو ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بل ظل عبر تاريخه فضاءً لوحدة المرجعية الدينية وتماسك النسيج الاجتماعي.
خصوصية النموذج الديني المغربي
لقد تشكلت الهوية الدينية للمغرب على مدى قرون حول منظومة متوازنة قوامها المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهي منظومة أفرزت إسلاماً مغربياً معتدلاً يجمع بين الانضباط الفقهي والبعد الروحي، بعيداً عن الغلو والتطرف أو الصراعات المذهبية.
ويعزز هذا البناء الديني مؤسسة إمارة المؤمنين التي يتولاها محمد السادس، باعتبارها الضامن لوحدة المغاربة الدينية والحامي لثوابت الأمة، وقد شكلت هذه المؤسسة عبر التاريخ صمام أمان حال دون تسلل النزاعات الطائفية التي مزقت مجتمعات أخرى في المنطقة.
هذا التوازن الديني لم يكن مجرد خيار فقهي، بل كان أيضاً خياراً سياسياً واستراتيجياً حافظ على استقرار المغرب في محيط إقليمي كثير الاضطراب.
حين يتحول الدين إلى أداة نفوذ
غير أن التحولات التي عرفها العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة أظهرت كيف يمكن لبعض القوى الإقليمية أن توظف الدين كوسيلة للتوسع السياسي وبسط النفوذ. فمنذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، برزت أطروحات تقوم على توظيف المرجعية المذهبية في إعادة تشكيل موازين القوى داخل العالم الإسلامي، وهو ما جعل إيران لاعباً مؤثراً في العديد من بؤر التوتر في المنطقة.
ويذهب كثير من المحللين إلى أن هذا التداخل بين الدين والسياسة قد أدى في بعض الحالات إلى إذكاء الانقسامات الطائفية وتحويل الاختلاف المذهبي إلى أداة للصراع والنفوذ، والنتيجة كانت مجتمعات منهكة بالصراعات، ودولاً تعاني من الانقسام وعدم الاستقرار.
المغرب ورفض الطائفية السياسية
في المقابل، اختار المغرب طريقاً مختلفاً يقوم على تحصين المجال الديني من الاستغلال السياسي أو التوظيف الخارجي. فالوحدة المذهبية في المغرب ليست مجرد إرث تاريخي، بل هي ركيزة أساسية من ركائز الأمن الروحي للمجتمع.
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى أي محاولات لزرع ولاءات مذهبية أو فكرية مرتبطة بجهات خارجية على أنها تهديد مباشر لتماسك المجتمع واستقرار الدولة. فالمغرب، الذي نجح في بناء نموذج ديني متوازن، يدرك أن فتح الباب أمام صراعات المرجعيات قد يقوض هذا التوازن الدقيق.
السيادة الفكرية جزء من السيادة الوطنية
إن حماية السيادة الوطنية لا تقتصر على الدفاع عن الحدود الجغرافية، بل تشمل أيضاً حماية المجال الفكري والثقافي والديني من أي اختراقات قد تستهدف وحدة المجتمع، فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أصبحت تعتمد كذلك على ما يعرف بحروب التأثير والاختراق الثقافي.
ومن هنا تأتي أهمية اليقظة الفكرية والسياسية التي تجعل من مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتؤكد أن الانتماء للمغرب يجب أن يكون انتماءً كاملاً غير قابل للمساومة أو الازدواجية.
المغرب حصن الاعتدال والاستقرار
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن استقرار المغرب لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة منظومة متكاملة من المؤسسات والقيم التي جعلت من الاعتدال والوسطية قاعدة للحياة الدينية والسياسية، ولذلك ظل المغرب، رغم العواصف التي هزت المنطقة، نموذجاً للاستقرار والتوازن.
إن الحفاظ على هذا النموذج يتطلب وعياً جماعياً يرفض كل أشكال التطرف أو التبعية الفكرية، ويؤكد أن الدين في المغرب ظل دائماً رسالة هداية وإصلاح، لا وسيلة للهيمنة أو الصراع.
مخرجات هذا المقال ، إن الدعوة إلى حماية المغرب من الولاءات الخارجية ليست موقفاً إقصائياً أو دعوة للانغلاق، بل هي تعبير عن حرص عميق على صون وحدة الوطن واستقراره، فالمغرب، الذي بنى هويته على الاعتدال والتوازن، يدرك أن قوة الدولة تكمن في تماسك مجتمعها ووحدة مرجعيتها.
وفي عالم تتصارع فيه المشاريع والولاءات، يبقى الرهان الأكبر هو أن يظل المغرب وفياً لثوابته، متشبثاً بسيادته، ومحصناً بقيمه التي جعلت منه عبر التاريخ أرض الاعتدال والاستقرار.
اللهم احفظ بلدنا المغرب وأهله من كيد الكائدين، واجعله دائماً وطناً آمناً مستقراً، كما كان عبر العصور. 🇲🇦



