بين العلم والتضليل: كيف تحوّل نظام التغذية إلى ساحة للصراع على الحقيقة؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
لم يعد اختيار نظام غذائي في العصر الرقمي مجرد قرار يتعلق بالصحة أو بنمط الحياة، بل أصبح رحلة شاقة وسط بحر من المعلومات المتناقضة والنصائح المتضاربة والوعود السريعة، فكل يوم يظهر خبير جديد، أو مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي، أو صاحب حمية غذائية “ثورية” يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة بشأن الطعام والصحة وفقدان الوزن.
في هذا المشهد المزدحم، يجد الفرد نفسه أمام سؤال محير: إذا كانت الآراء متناقضة إلى هذا الحد، فأين تكمن الحقيقة؟ وهل يعكس هذا الخلاف ثراءً علمياً طبيعياً، أم أنه جزء من حالة أوسع من التضليل المنظم الذي يستهدف المستهلكين؟
عندما يكون الخلاف الغذائي أمراً طبيعياً
في جوهره، لا يمثل الاختلاف بين المختصين في التغذية مشكلة بحد ذاته، فالعلوم الصحية بطبيعتها علوم متطورة تتغير مع تراكم الأدلة واكتشاف المعطيات الجديدة.
لهذا قد تختلف التوصيات بشأن بعض الأنظمة الغذائية مثل الصيام المتقطع، أو الحمية منخفضة الكربوهيدرات، أو النظام النباتي، أو توزيع السعرات الحرارية خلال اليوم. ويرجع ذلك إلى اختلاف نتائج الدراسات واختلاف الخصائص الفردية للأشخاص من حيث العمر والحالة الصحية والجينات ومستوى النشاط البدني.
إن هذا النوع من الخلاف يعكس حيوية البحث العلمي، لأن العلماء لا يتنافسون على فرض الآراء، بل على اختبار الفرضيات وإخضاعها للأدلة. لذلك فإن الخلاف العلمي الحقيقي لا يخفي الوقائع، بل يكشف المزيد منها مع مرور الوقت.
من الخلاف إلى الفوضى
المشكلة تبدأ عندما يتم استغلال هذا الخلاف العلمي الطبيعي لتسويق أفكار غير مدعومة بالأدلة.
ففي عالم وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المعلومة الغذائية سلعة مربحة. وكلما كانت الرسالة أكثر إثارة وصدمة، زادت فرص انتشارها وحصدها للمشاهدات والتفاعل.
هنا يظهر من يدعي أن الكربوهيدرات هي أصل كل الأمراض، بينما يؤكد آخر أن الدهون هي العدو الأول للإنسان، ويخرج ثالث ليعلن أن جميع التوصيات الطبية التقليدية خاطئة، وأنه اكتشف “الحقيقة المخفية” التي تجاهلها العلماء لعقود.
وبين هذه الادعاءات المتصارعة، يصبح المستهلك العادي ضحية لفوضى معرفية تجعله عاجزاً عن التمييز بين المعلومة العلمية والرأي الشخصي والدعاية التجارية.
صناعة الشك كوسيلة للتأثير
أحد أخطر أشكال التضليل في مجال التغذية لا يتمثل في نشر معلومات خاطئة فقط، بل في صناعة الشك نفسه.
فبدلاً من تقديم أدلة علمية مضادة، يتم إقناع الجمهور بأن العلم كله غير موثوق، وأن الخبراء متناقضون دائماً، وأن الدراسات لا قيمة لها، وأن الحقيقة لا توجد إلا لدى أشخاص أو جهات بعينها.
وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنه لا يحاول إثبات فكرة معينة بقدر ما يسعى إلى تدمير الثقة في مصادر المعرفة المعترف بها. وعندما يفقد الناس ثقتهم في المؤسسات العلمية والمختصين، يصبحون أكثر استعداداً لتصديق أي ادعاء مهما كان ضعيفاً أو غير منطقي.
الشك الذي يقود إلى المعرفة
في المقابل، لا يعني رفض التضليل التخلي عن التفكير النقدي، فالمستهلك الواعي لا يقبل المعلومات بشكل أعمى، بل يسأل عن الأدلة والمصادر والدراسات التي تدعمها.
فالشك الصحي يبدأ بالسؤال وينتهي بالتحقق، وهو شك يدفع الإنسان إلى البحث والفهم والمقارنة بين الآراء المختلفة للوصول إلى استنتاج عقلاني.
أما الشك المصطنع فيبدأ بالسؤال وينتهي عنده، لأنه لا يبحث عن إجابة، بل يسعى إلى إبقاء الناس في دائرة من الحيرة الدائمة.
لماذا تنتشر الخرافات الغذائية بسرعة؟
هناك عوامل عديدة تجعل مجال التغذية بيئة خصبة للمعلومات المضللة.
أول هذه العوامل أن الغذاء يمس حياة الجميع بشكل يومي، ما يجعل كل شخص يشعر بأنه قادر على إبداء الرأي فيه.
وثانيها أن النتائج الصحية تحتاج غالباً إلى وقت طويل للظهور، بينما تعد الأنظمة الغذائية الوهمية بنتائج سريعة وجذابة.
أما العامل الثالث فيتمثل في قوة التجارب الشخصية، إذ ينجح كثير من الأشخاص في إقناع الآخرين اعتماداً على قصص فردية لا ترقى إلى مستوى الدليل العلمي.
فنجاح شخص واحد في فقدان الوزن عبر نظام معين لا يعني بالضرورة أن النظام نفسه مناسب لجميع الناس.
مسؤولية الإعلام والمجتمع
في مواجهة هذا الواقع، تبرز مسؤولية الإعلام في التمييز بين المعلومة العلمية الموثقة والمحتوى المثير الذي يبحث فقط عن المشاهدات.
كما يتحمل المختصون مسؤولية تبسيط المعرفة العلمية للجمهور بلغة واضحة ومفهومة، بعيداً عن التعقيد الذي يفتح المجال أمام أصحاب الادعاءات الزائفة.
وفي المقابل، يصبح من واجب الأفراد تطوير ثقافة التحقق وعدم الانسياق وراء الوعود السريعة أو الحلول السحرية التي لا تستند إلى أدلة راسخة.
مخرجات هذا المقال، لقد تحول نظام التغذية في العصر الحديث إلى نموذج صارخ للصراع بين المعرفة والتضليل، فبينما يواصل العلم بناء فهم أكثر دقة للعلاقة بين الغذاء والصحة، تعمل جهات مختلفة على استغلال الشكوك الطبيعية وتحويلها إلى فوضى معرفية تخدم مصالح تجارية أو إعلامية.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي لم يعد في العثور على معلومة غذائية، بل في القدرة على التمييز بين الخلاف العلمي المشروع والتضليل المتعمد، وبين الشك الذي يقود إلى المعرفة والشك الذي يُستخدم لإخفائها. ففي زمن الوفرة المعلوماتية، لا تصبح الحقيقة نادرة بسبب غيابها، بل بسبب كثرة الضجيج الذي يحجبها.



