السياسة بلا أخلاق حين تتحول السلطة إلى خطر على المجتمع

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
في عالم السياسة، لا يكفي أن يمتلك المسؤول الذكاء، أو القدرة على الإقناع، أو المهارة في إدارة الملفات العامة، فكل تلك المؤهلات تفقد قيمتها إذا غابت عنها الأخلاق، لذلك قيل بحق: “السياسة بدون أخلاق كالسائق بدون رخصة سياقة”، وهي عبارة تبدو بسيطة في ألفاظها، لكنها تحمل دلالات عميقة تتجاوز حدود البلاغة إلى جوهر الحكم الرشيد.
فكما أن رخصة السياقة ليست مجرد وثيقة إدارية، وإنما دليل على أن حاملها تلقى التكوين اللازم وأصبح مؤهلاً لتحمل مسؤولية قيادة مركبة قد تعرض حياة الآخرين للخطر إذا أسيء استخدامها، فإن الأخلاق في السياسة تمثل “رخصة معنوية” تمنح صاحب السلطة الشرعية الأخلاقية لممارسة النفوذ واتخاذ القرارات التي تمس حياة المواطنين ومستقبل الأوطان.
السياسي الذي يفتقر إلى الأخلاق يشبه سائقاً لا يعرف قوانين السير، ولا يحترم الإشارات، ولا يراعي سلامة الآخرين، قد ينجح في التحرك لبعض الوقت، لكنه في النهاية يقود الجميع نحو الفوضى والحوادث، والأمر نفسه ينطبق على السياسة؛ فحين تغيب قيم الصدق والنزاهة والعدل والوفاء بالوعود واحترام القانون، تتحول السلطة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية والحزبية الضيقة، بدلاً من خدمة الصالح العام.
إن الأخلاق ليست ترفاً في العمل السياسي، ولا مجرد شعارات ترفع أثناء الحملات الانتخابية، وإنما هي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة بين الدولة والمجتمع.
فالمواطن قد يتسامح مع بعض الأخطاء الإدارية أو ضعف الإمكانيات، لكنه يصعب أن يغفر الكذب، أو الفساد، أو استغلال النفوذ، أو خيانة الأمانة.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية هو انفصالها عن الضمير الأخلاقي. فعندما تصبح الغاية تبرر الوسيلة، وعندما يتحول الفوز بالسلطة إلى هدف بأي ثمن، تنتشر الممارسات التي تقوض الديمقراطية، مثل شراء الذمم، وتضليل الرأي العام، وتعطيل مصالحهم واعادة ترتيبا مستقبلا ضمن برنامجهم الانتخابي للابتزازهم وبالتالي الرأي العام ،واستعمال المال أو النفوذ للتأثير على الإرادة الشعبية. وهنا تصبح السياسة مصدر أزمة بدلاً من أن تكون وسيلة لحل الأزمات.
كما أن الأخلاق السياسية تشكل الضمان الحقيقي لاستقرار الدول، فالتنمية لا تقوم فقط على المشاريع الاقتصادية والبنيات التحتية، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسات يثق فيها المواطن، وإدارة تتعامل بالإنصاف، ومسؤولين يعتبرون المنصب تكليفاً لا تشريفاً، وعندما يشعر المواطن بأن المسؤول يتحلى بالنزاهة والشفافية، تتعزز الثقة في المؤسسات، ويزداد الالتزام بالقانون، ويترسخ الاستقرار الاجتماعي.
ومن ناحية أخرى، فإن التاريخ مليء بالنماذج التي تؤكد أن الدول التي ازدهرت لم تعتمد فقط على القوة الاقتصادية أو العسكرية، وإنما على وجود قيادات جمعت بين الكفاءة والأخلاق، وعلى العكس من ذلك، فإن كثيراً من الأزمات السياسية والاقتصادية التي عرفتها بعض الدول كانت نتيجة مباشرة لانتشار الفساد، وغياب المساءلة، واستغلال السلطة لتحقيق المصالح الخاصة.
إن السياسة الأخلاقية لا تعني المثالية المطلقة، ولا تعني غياب الاختلاف أو الصراع السياسي، بل تعني أن يبقى التنافس محكوماً بالقانون، وأن تكون المصلحة الوطنية فوق المصالح الشخصية، وأن يظل احترام الإنسان وكرامته هو البوصلة التي توجه القرار السياسي.
ملخص القول، إن مقولة “السياسة بدون أخلاق كالسائق بدون رخصة سياقة” ليست مجرد تشبيه بلاغي، بل هي قاعدة في بناء الدول الحديثة، فكما لا يمكن السماح لشخص غير مؤهل بقيادة مركبة بين الناس لما يمثله ذلك من خطر على الأرواح، فإن منح السلطة لمن يفتقر إلى الضمير الأخلاقي يشكل خطراً على حاضر الأمة ومستقبلها. فالسياسة لا تكتسب مشروعيتها بالقوة ولا بالشعبية وحدها، وإنما تكتسبها قبل كل شيء بالالتزام بالقيم التي تجعل من السلطة خدمة للمواطن، ومن المنصب أمانة، ومن الدولة فضاءً لتحقيق العدالة والكرامة والتنمية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة ثابتة: قد تمنح الانتخابات السياسي سلطة قانونية، لكن الأخلاق وحدها هي التي تمنحه الشرعية المعنوية، وتجعل من السياسة رسالة نبيلة لبناء الإنسان والوطن، لا وسيلة للنفوذ والمصالح.



