العدالة التصالحية في المغرب: رهان قانوني واقتصادي واجتماعي لتخفيف الاكتظاظ وبناء مجتمع أكثر استقراراً

ذا عمرو العرباوي /مدير النشر
أصبحت العدالة التصالحية في السنوات الأخيرة أحد أبرز التوجهات الحديثة في السياسات الجنائية المعاصرة، بعدما أثبتت التجارب الدولية أن العقوبات السالبة للحرية وحدها لم تعد قادرة على تحقيق الردع والإصلاح بالفعالية المطلوبة، وفي المغرب، يشكل التشجيع على تبني سياسة العدالة التصالحية آلية قانونية إيجابية يمكن أن تساهم في الحد من ظاهرة الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، مع ما يرافق ذلك من انعكاسات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية عميقة.
فالعدالة التصالحية تقوم على فلسفة مختلفة عن العدالة العقابية التقليدية، إذ تسعى إلى إصلاح الضرر الناتج عن الجريمة عبر إشراك الضحية والجاني والمجتمع في إيجاد حلول توافقية تحقق جبر الضرر وإعادة الإدماج، بدلاً من الاقتصار على العقوبة السجنية باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتحقيق العدالة.
البعد الاقتصادي: تقليص الكلفة وتعزيز الاستثمار في التنمية
من الناحية الاقتصادية، يمثل الاكتظاظ السجني عبئاً مالياً كبيراً على ميزانية الدولة. فإيواء السجناء وتأمين التغذية والرعاية الصحية والحراسة والبنيات التحتية والتجهيزات الأمنية يتطلب اعتمادات مالية متزايدة، وهو ما يضغط على المالية العمومية.
وتتيح العدالة التصالحية للدولة إمكانية توجيه جزء من هذه الموارد نحو قطاعات أكثر إنتاجية، مثل التعليم والصحة والتكوين المهني وخلق فرص الشغل، بدلاً من تخصيصها لتوسيع المؤسسات السجنية أو بناء سجون جديدة.
كما أن العقوبات البديلة والوساطة الجنائية تساهم في الحفاظ على اندماج الجاني داخل الدورة الاقتصادية، إذ يظل قادراً على العمل والإنتاج وأداء الضرائب والوفاء بالتزاماته الأسرية، بدلاً من فقدان مصدر دخله وتحوله إلى عبء اقتصادي على المجتمع.
وتنعكس هذه السياسة كذلك على مناخ الاستثمار، لأن وجود منظومة عدالة أكثر مرونة وفعالية يعزز الثقة في المؤسسات القانونية ويمنح المستثمرين صورة إيجابية عن استقرار الدولة وحسن تدبيرها للسياسات العمومية.
البعد الاجتماعي: إصلاح الإنسان قبل معاقبته
اجتماعياً، يشكل السجن في كثير من الأحيان فضاءً لإعادة إنتاج السلوك الإجرامي نتيجة الاحتكاك بالمجرمين المحترفين، وهو ما يرفع احتمالات العود إلى الجريمة بعد الإفراج.
أما العدالة التصالحية، فتركز على إعادة تأهيل الجاني وتحميله مسؤولية أفعاله بطريقة إيجابية، من خلال الاعتراف بالخطأ، وتعويض الضحية، والانخراط في برامج الإصلاح والتكوين والعمل لفائدة المجتمع.
كما تمنح الضحية دوراً محورياً في مسار العدالة، إذ لا تبقى مجرد شاهد على الإجراءات القضائية، بل تصبح طرفاً فاعلاً في تحديد سبل جبر الضرر واستعادة الشعور بالإنصاف.
ومن جهة أخرى، تسهم هذه المقاربة في الحفاظ على الروابط الأسرية وتقليل الآثار النفسية والاجتماعية التي يخلفها سجن أحد أفراد الأسرة، خاصة بالنسبة للأطفال والنساء الذين غالباً ما يتحملون تبعات التفكك الأسري الناتج عن الاعتقال.
البعد السياسي: تكريس دولة القانون وتعزيز الثقة في المؤسسات
سياسياً، يعكس تبني العدالة التصالحية تطوراً في السياسة الجنائية للدولة وانتقالها من منطق العقاب الصرف إلى منطق الحكامة القانونية الحديثة القائمة على حقوق الإنسان والفعالية المؤسساتية.
كما ينسجم هذا التوجه مع الإصلاحات التشريعية الهادفة إلى تحديث منظومة العدالة وتعزيز استقلال القضاء وتبني آليات بديلة لحل النزاعات، بما يخفف الضغط على المحاكم والنيابات العامة والمؤسسات السجنية.
ويعزز نجاح العدالة التصالحية صورة المغرب كشريك يحترم المعايير الدولية المتعلقة بالعدالة الجنائية وحقوق الإنسان، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على علاقاته الدولية وعلى مؤشرات الثقة في مؤسساته.
إضافة إلى ذلك، فإن تقليص الاكتظاظ السجني يساهم في تحسين ظروف الاعتقال واحترام الكرامة الإنسانية، وهو ما يشكل أحد المؤشرات الأساسية في تقييم السياسات الحقوقية للدول.
البعد الثقافي: ترسيخ ثقافة الحوار والمصالحة
ثقافياً، تؤسس العدالة التصالحية لثقافة جديدة تقوم على الحوار والتسامح وتحمل المسؤولية، بدلاً من ترسيخ ثقافة الانتقام والإقصاء.
وتنسجم هذه الفلسفة مع القيم المجتمعية المغربية القائمة على الصلح والوساطة والإصلاح بين الناس، وهي قيم متجذرة في الموروث الديني والاجتماعي والعرفي للمملكة.
كما تساهم في نشر الوعي بأن الهدف من العدالة ليس الانتقام من الجاني، وإنما حماية المجتمع وإصلاح السلوك وتحقيق التوازن بين حقوق الضحايا وضمانات المتهمين.
ومن شأن انتشار هذه الثقافة أن يعزز التماسك الاجتماعي ويحد من النزاعات ويشجع على الحلول السلمية، بما ينعكس إيجاباً على الأمن والاستقرار المجتمعي.
تحديات التطبيق
ورغم المزايا العديدة للعدالة التصالحية، فإن نجاحها يظل رهيناً بتوفير إطار قانوني واضح وآليات مؤسساتية فعالة، إلى جانب تكوين القضاة والمحامين والوسطاء وتأهيل الموارد البشرية المختصة.
كما يتطلب الأمر نشر الوعي المجتمعي بأهمية هذا النموذج، حتى لا يُنظر إليه باعتباره تساهلاً مع الجريمة، وإنما باعتباره وسيلة أكثر نجاعة لتحقيق العدالة والوقاية من العود الإجرامي.
ويستوجب التطبيق أيضاً وضع معايير دقيقة لتحديد الجرائم القابلة للتسوية التصالحية، وضمان حماية حقوق الضحايا ومنع أي ضغوط قد تؤثر في إرادتهم الحرة أثناء إجراءات الصلح.
مخرجات هذا المقال ، إن التشجيع على سياسة العدالة التصالحية لا يمثل مجرد خيار قانوني بديل، بل يعد رؤية استراتيجية متكاملة تجمع بين الحكامة القضائية والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان. وفي ظل تحديات الاكتظاظ التي تعرفها المؤسسات السجنية المغربية، تبدو هذه المقاربة فرصة حقيقية لإعادة صياغة مفهوم العدالة من منطق العقاب إلى منطق الإصلاح، بما يحقق مصلحة الفرد والمجتمع والدولة في آن واحد، ويؤسس لسياسة جنائية أكثر كفاءة وإنسانية واستدامة.



