اخبار منوعة

المعرفة ليست الفهم حين تصبح المعلومات بلا معنى

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

في عصرٍ أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، وتدفقت المعلومات عبر الكتب والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي بصورة غير مسبوقة، برز سؤالٌ فلسفي وإنساني بالغ الأهمية: هل امتلاك المعرفة يعني بالضرورة امتلاك الفهم؟ ويأتي الجواب في العبارة العميقة: “المعرفة ليست الفهم، وقد نعرف كل شيء من دون أن نفهم شيئًا” ، وهي عبارة تختصر واحدة من أكبر مفارقات العصر الحديث، حيث يزداد رصيد المعلومات، بينما يتراجع أحيانًا عمق الإدراك.

فالمعرفة، في مفهومها العام، هي تراكم الحقائق والبيانات والمعلومات التي يكتسبها الإنسان عن طريق التعلم أو القراءة أو التجربة أو الملاحظة، أما الفهم فهو مستوى أعمق؛ إذ يقوم على استيعاب المعاني، وتحليل الأسباب، وربط النتائج بالمقدمات، والقدرة على توظيف المعرفة في اتخاذ القرار وحل المشكلات.

ولعل الفارق بينهما يشبه الفارق بين من يحفظ خريطة مدينة عن ظهر قلب، ومن يستطيع أن يتنقل داخلها بسهولة لأنه فهم طبيعتها واتجاهاتها، فالأول يمتلك المعلومات، أما الثاني فقد امتلك الفهم.

إن العالم اليوم يعاني من تضخم معرفي غير مسبوق، لكنه في المقابل يشهد أزمة في الفهم، فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت ملايين الأشخاص يطالعون الأخبار والآراء والتحليلات يوميًا، إلا أن كثرة الاطلاع لا تعني بالضرورة القدرة على التمييز بين الحقيقة والإشاعة، أو بين الرأي والمعلومة، أو بين التحليل العلمي والانطباع الشخصي.

ولهذا نجد أشخاصًا يحملون شهادات علمية رفيعة، ويحفظون النصوص والقوانين والنظريات، لكنهم يعجزون عن تطبيقها في الواقع أو تفسير الظواهر التي يعيشونها، وفي المقابل قد نجد إنسانًا بسيطًا لم ينل حظًا كبيرًا من التعليم، لكنه يمتلك فهمًا عميقًا للحياة وللطبيعة البشرية، فيحسن التصرف واتخاذ القرار.

وفي المؤسسات والإدارات، يظهر الفرق بوضوح بين الموظف الذي يعرف النصوص القانونية عن ظهر قلب، والموظف الذي يفهم روح القانون وأهدافه، فالأول قد يطبق النصوص بطريقة جامدة تؤدي إلى الظلم أو التعقيد، بينما الثاني يوظفها لتحقيق العدالة والمصلحة العامة ضمن حدود القانون.

وينطبق الأمر ذاته على السياسة والإدارة والاقتصاد والإعلام. فليس كل من يمتلك معلومات سياسية قادرًا على تحليل المشهد السياسي، وليس كل من يقرأ الأرقام الاقتصادية قادرًا على فهم دلالاتها، كما أن كثرة متابعة الأخبار لا تعني بالضرورة امتلاك رؤية استراتيجية لما يجري.

ومن الناحية التربوية، تكشف هذه المقولة عن خلل تعاني منه كثير من الأنظمة التعليمية التي تركز على الحفظ والاستظهار أكثر من تركيزها على التفكير والتحليل. فالطالب الذي يحفظ الدروس للحصول على أعلى الدرجات قد ينسى معظمها بعد الامتحان، بينما الطالب الذي يفهم المبادئ والأسس يستطيع توظيفها طوال حياته.

أما في الحياة اليومية، فإن الفهم هو الذي يصنع الحكمة، فمعرفة أن الصدق قيمة أخلاقية أمرٌ يسير، لكن فهم آثار الصدق في بناء الثقة والعلاقات الإنسانية هو الذي يجعل الإنسان يلتزم به حتى في أصعب الظروف، ومعرفة أن الحوار أفضل من الصراع لا تكفي، بل لا بد من فهم كيفية إدارة الاختلاف واحترام الرأي الآخر.

وتزداد أهمية الفهم في زمن الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت المعلومات متاحة للجميع خلال ثوانٍ معدودة، ولم يعد التميز في امتلاك المعلومة، بل في القدرة على تحليلها، ونقدها، وربطها بسياقها، وتحويلها إلى معرفة نافعة وقرار رشيد. فالمعلومة أصبحت متوفرة، أما الفهم فأصبح هو الثروة الحقيقية.

لقد أدرك كبار الفلاسفة والعلماء هذه الحقيقة منذ قرون، فالحكمة لا تُقاس بكمية ما يحفظه الإنسان، بل بقدرته على إدراك المعاني الكامنة وراء الظواهر، والتمييز بين الأسباب والنتائج، وبين الظاهر والجوهر.

إن هذه المقولة ليست دعوة إلى التقليل من قيمة المعرفة، بل هي دعوة إلى الارتقاء بها. فالمعرفة هي البداية، أما الفهم فهو الغاية. المعرفة تملأ العقل بالمعلومات، أما الفهم فينير البصيرة، ويحول تلك المعلومات إلى وعي، والوعي إلى حكمة، والحكمة إلى سلوك راشد يصنع الفرد المتوازن والمجتمع المتقدم.

خلاصة القول، إن الأمم لا تتقدم بكثرة المعلومات وحدها، وإنما بقدرتها على إنتاج الفهم العميق، وترسيخ التفكير النقدي، وتحويل المعرفة إلى عمل وإبداع وحلول واقعية، ولذلك تبقى العبارة: “المعرفة ليست الفهم، وقد نعرف كل شيء من دون أن نفهم شيئًا” رسالةً خالدة تذكرنا بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحفظه، بل بما يفهمه، وما يحوله من علم إلى أثر نافع في حياته وحياة مجتمعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى